فهذا شيء يسير من كلام أهل العلم في حكم من قاتل أهل الإيمان مع المشركين وكلامهم كثير وافر، وكلامهم فيمن ظاهر المشركين على المؤمنين أكثر وأوفر، ويمكن الوقوف عليه في مظانه لمن كان يريده، وظني أن حكم الجاسوس مما يحتاج إلى تأمل ومدارسة وتحرير، ولست في مقام تحرير المسألة الآن ولست قاصدًا لذلك، إنما المقصود التأكيد على أنه مع تقدير عدم تكفير الجاسوس وأن ثمة خلافًا معتبرًا فيه للاختلاف في فهم حديث حاطب، ولما يحتف بالجس من اشتباه واحتمال، فإنه لا يصح أن ينسحب هذا الحكم على كافة صور المظاهرة فتعطى أعلى وأجلى وأوضح صورها -أعني- المقاتلة حكم التجسس، وينقض حكم المحكم بالمتشابه، وأن القياس متى ما وقع كان قياسًا مع الفارق، والله أعلم.
(الولاء والبراء أصل وفرع، وكيف ينقضان)
أختم هذه الورقة بالتنبيه على شبهة ذكرها بعضهم تدل على أصل المشكلة عندهم في تصور المسألة، ومكمن الداء، ومحل الخلل، وهي والجواب عليها مما يلم شعث ما تقدم جميعًا، ويكون كالمختصر لما ذكر جميعًا، حيث قالوا بأن الولاء والبراء أصل وفرع وأن ما يبطل الثاني لا يلزم ضرورة أن يبطل الأول، وأن ثمة فرقًا معتبرًا بين ما يناقض أصل الولاء والبراء وما يناقض كماله، وأن الولاء والبراء كالإيمان فحكم الولاء والبراء المطلق مختلف عن حكم مطلق الولاء والبراء، فالكفر إنما يكون بخلو النفس من مطلق الولاء والبراء، لا بخلوها من الولاء والبراء المطلق، وهو لا يكون إلا في حال محبة الكفر وتمني انتصاره.