2-ثم يقال أن سهلًا كان مستخفيًا بإيمانه -كما أشار إليه هذا الفاضل المستدل بالحديث على عدم التكفير بالمظاهرة-، وهو لم يخرج بطواعية منه واختيار كما يوهمه صنيع هذا المستدل، وإنما خرج مكرهًا، والبحث ليس فيمن خرج في للقتال مكرهًا، إنما البحث فيمن خرج باختياره وقَصْدِهِ طمعًا في دنيا من غير تأويل سائغ أيصح أن يكون مسلمًا؟! وهذه ما لا يمكن أن يقام عليها الدليل! يقول ابن سعد رحمه الله موضحًا حقيقة حال سهل رضي الله عنه وما وقع منه: (أسلم بمكة، وكتم إسلامه، فأخرجته قريش معها في نفير بدر، فشهد بدرا مع المشركين، فأسر يومئذ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة فخلي عنه) [طبقات ابن سعد 4/213] ، فهذا ما وقع من سهل رضي الله عنه، فهل يصح أن يُظن فيه أنه إنما خرج مع أهل مكة لعرض من الدنيا؟! وهل يصح أن يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خلى سبيله لثبوت دعوى إسلام سابق؟! وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين بصنيعه هذا أن من خرج مقاتلًا له من المسلمين لا يكون بمجرد قتاله كافرًا؟! لتصحح بعد ذلك تلك الدعوى -مقاتلة أهل الإسلام مع أهل الكفر لا تكون كفرًا ما لم يكن ذلك القتال عن محبة لدين الكفار وتمن لنصرته؟!
واستحضر هنا ما رُوي في شأن العباس بن عبدالمطلب حين أسر ببدر فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني كنت مسلما قبل ذلك، وإنما استكرهوني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (الله أعلم بشأنك إن يك ما تدعي حقا، فالله يجزيك بذلك، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك) [رواه الإمام أحمد في المسند 3300 بسند فيه راو مبهم وبقية رجال ثقات، وله أسانيد أخر لا تخلو من مقال] فالحكم في مثل هذه الحال مع دعوى الإكراه وعدم البينة إنما هو للظاهر والله يتولى السرائر.