الصفحة 42 من 58

وفي ضوء هذه المعاني ينبغي أن يفهم كلام أهل العلم فيمن ادعى إسلامًا ممن يأسره المسلمون من جيش الكفار، فلا يصح أن يقال أنهم بصنيعهم هذا لا يقولون بكفر من خرج مقاتلًا لأهل الإسلام طوعًا باختياره لعرض من الدنيا قليل، بل مقصودهم بكلامهم هذا الحكم في مثل هذه الصورة الواقعة في حديث سهل والتي هي محل الاستدلال، وإلا فهل يصح أن يطلق القول بأن مجرد ثبوت إسلام من قاتل أهل الإسلام مع الكفار يستوجب إخلاء سبيله وعصمة دمه وماله ولو كان مباشرًا للقتال حقيقة برغبة منه واختيار لتحصيل شيء من الدنيا!! أم أن إخلاء سبيله وعصمة دمه وماله إنما هو لقيام معنى آخر في هذا الأسير استوجب مثل هذه الأحكام كصحة دعوى الإكراه مع ثبوت الإسلام! يؤكد هذا أن هذا المقاتل لأهل الإسلام باختياره وطوعه أسوأ حالًا ممن قطع سبيل الناس وأفسد عليهم أموالهم بالنهب والسلب، ومعلوم أن الشريعة أباحت دم هذا القاطع للطريق وجعلت لمثله حدًا هو حد الحرابة فيباح قتله وصلبه وقطع يده ورجله من خلاف ونفيه من الأرض على تفاصيل يعرفها الناظر في كتب الفقهاء، فكيف يقال فيمن قاتل أهل الإسلام وادعى إسلامًا أنه يخلى سبيله بمجرد تصحيح هذه الدعوى وثبوتها.

3-ثم يقال للمستدل بحديث سهل هذا على عدم تكفير من التحق بجيش الكفار مقاتلًا أهلَ الإسلام ألست تُسلم بأن هذه المقاتلة -وفق مذهبك- فعلٌ يحتمل أن يكون كفرًا، وأن الشأن فيه -عندك-كالشأن في حديث حاطب رضي الله عنه، وأن ما كان كذلك فالواجب فيه -عندك- استفصال من تلبس بهذا الفعل لمعرفة الباعث على الفعل، فلم أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستفصال الواجب؟ وما باله صلى الله عليه وسلم استفصل في مقام الشبهة فيه أضعف -كون الفعل تجسسًا وكونه صادرًا من بدري- وترك الاستفصال في مقام قوة الشبهة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت