بأن المظاهرة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست كفرًا!! وإن كان عندك أدنى شك في حكم من حارب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه الكفر بل ارتياب، فاقرأ نقل القاضي عياض الإجماع على حكم هذه المسألة، يقول عليه رحمة الله في كتابه الشفاء (2/1069) : (من أضافَ إلى نبينا صلى الله عليه وسلم تعمُّد الكذبِ فيما بلَّغه وأخبر به، أو شك في صدقهِ، أو سبهُ، أو قال: إنه لم يبلِّغْ، أو استخفَّ به، أو بأحدٍ من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم، أو قتلَ نبيًا، أو حاربه، فهو كافرٌ بإجماعٍ) ، والمسألة لمن تأملها وتدبرها أظهر من أن يحتاج إلى أن يستدل لها بدليل خاص أو ينقل فيها إجماع، فإن حربه، ومقاتلته، و (المظاهرة عليه) صلى الله عليه وسلم، مضاد لأصل الإيمان والمتضمن تصديقه ومحبته والانقياد والتسليم والإذعان والتوقير والتعظيم الواجب له.
وإذا استحضرت أن الشافعي في النقل السابق إنما يتكلم عن حكم الجاسوس -كما تقدم- تبين لك أن ما فهمه هذا الفاضل وغيره بأن ما وقع من حاطب أشنع ما يُتصور من مظاهرة غير صحيح، وأن تحميل كلامه غير ما صرح به في حكم الجاسوس ظلمٌ، ذلك أن الشافعي يقول: (ولا أعلم أحدًا أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا، لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده، فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم فصدقه على ما عاب عليه من ذلك، غير مستعمل الأغلب مما يقع في النفوس، فيكون لذلك مقبولًا، كان من بعده في أقل من حاله، وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه) ، فغاية الأمر حكم فيمن (خابر) لا فيمن (قاتل) فلا يصح أن يجعل ما وقع فيه حاطب أشنع صور المظاهرة على الإطلاق.