الصفحة 31 من 58

4-لو اقتصر أولئك الفضلاء على الاستدلال بهذا الحديث على حكم الجاسوس المسلم، وأنه لا يكفر لدلالة النص على عدم التكفير لكان في البحث والمناقشة سعةٌ، وللخلاف مجالٌ، وللرأي وجهٌ جديرٌ بالتأمل والتحرير، ولكن محل الإشكال أنهم يريدون تعميم دلالة النص -بحسب ما فهموا- على كافة صور المظاهرة ليجعلوا حكمهم في الجاسوس حكمًا لكل صورة من صور المظاهرة ولو كانت بالمقاتلة مع الكفار وحمل السلاح على المؤمنين وبذل النفس في قتال أهل الإسلام، وهو لا شك أعظم وأبلغ في المظاهرة من الجس، والعجيب حقًا أنهم يبالغون ويهولون في استدلالهم بهذا النص فيقولون: إن ما وقع فيه حاطب من إفشاء سر النبي صلى الله عليه وسلم هو أشنع ما يمكن أن يكون من مظاهرة، كونها -هكذا!- مظاهرة على النبي صلى الله عليه وسلم!! وهذا الكلام مع شناعته، بعيد عن التحقيق العلمي، وهو كلام خطير وله لوازم خطيرة، وتوضيح ذلك أن القائلين بهذا متى ما سئلوا عن حكم من ظاهر الكفار على المسلمين بالمقاتلة معهم، فسيقولون: هو مسلم مرتكب لكبيرة من الكبائر ولا يكفر حتى يكون الباعث له على هذا الفعل محبة دين الكفار ورضاه بكفرهم، فإن سألناهم عن كيفية الاطلاع على هذا المناط المكفر، فسيقولون: بتصريحه، فإن عُدم فمسلم حتى يصرح، ومتى سئلوا عن دليلهم في هذا، فيقولون: لأنه الأصل في مناقضة أصل الولاء والبراء، إذ أنه لا ينقض إلا بوقوع محبة دين الكفار في القلب، والمظاهرة بمجردها عمل لا يؤثر إلا في فرع الولاء والبراء وكماله، وهذا الأصل مؤكد بدلالة حديث حاطب رضي الله عنه فإن المظاهرة قد وقعت منه ولم يُكفره النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال: ما وقع من حاطب لم يكن مجرد مظاهرة لأهل الكفر على أهل الإيمان بل كانت مظاهرة للمشركين على النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، فسيقولون: هو كذلك، وهو دليل زائد، إذ ما وقع فيه حاطب أشنع ما يمكن أن يتصور من مظاهرة للمشركين كونها متعلقة بمقام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت