قالوا: ويمكن أن يقال في فهم الحديث بناءً على هذا: أن حاطبًا رضي الله عنه وإن وقع في الكفر فإنه منع من تنزيل حكم التكفير عليه مانع من موانع التكفير، ذلك أن الحكم بالكفر على المعين باب له أحكامه المغايرة لأحكام التكفير المطلق والحكم على الأفعال، فلا بد في تكفير المعين من توافر شروط وانتفاء موانع، وهو الواقع في مسألتنا هذه، إذ أن من موانع التكفير مانع التأول، وهو ما وقع من حاطب رضي الله عنه فإنه إنما أقدم على صنيعه هذا متأولًا أن الله ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم ومظهر أمره وأنه لا ضرر مما فعل وقال، فالتسوية بين حال حاطب وحال من يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيُهلك المسلمين وسيحقق النصر للكافرين قياس غير صحيح، يقول الحافظ ابن حجر: (وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صنع ذلك متأولًا ألاّ ضرر فيه) [فتح الباري 8/634] ، ويقول أبو العباس القرطبي: (لكن حاطبًا لم ينافق في قلبه، ولا ارتد عن دينه، وإنما تأول فيما فعل من ذلك: أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخوف قريشًا، ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنهم لا طاقة لهم به، يُخوفهم بذلك ليخرجوا عن مكة، ويفروا منها، وحسن له هذا التأويل تعلق خاطره بأهله وولده، إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلما يفلح من كان له عيال، لكن لطف الله به، ونجاه لما علم من صحة إيمانه، وصدقه، وغفر له بسابقة بدر، وسبقه) [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 6/440] ، ويقول ابن الجوزي: (قال القاضي أبو يعلى: في هذه القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، كما يبيح في الخوف على النفس، ويبين ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة، ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأولادهم، وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له ليدفع به عن ولده، كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند