الصفحة 27 من 58

ولتقريب الأمر في هذه الجزئية أقول: لو أن شخصًا رأى آخر يشرب عصيرًا من وعاء خمر، فقال رجل لولي الأمر: اجلده فإنه قد شرب الخمر، فسُئل الرجل عن ذلك فقال: والله ما شربت الخمر ولا قاربتها وإنما هو عصير، فتُرك، فهل يكون في تركه تعطيلًا للحد، أم أن المناط الموجب لإقامته ما وقع، وكذا لو أن رجلًا رأى رجلًا وامرأة في حال ريبة وشبهة، فقال آخر لولي الأمر: اجلده أو ارجمه فإنه قد زنى، فسئل هذا عن فعله فقال: والله ما زنيت ولكنني قبلت وضممت، فعزر ولم يحد، أكان في ترك الحد إبطالا له، أم أن المناط لم يتحقق، فكذلك هنا، والمقصود أن مناط الكفر الذي هو المظاهرة ما وقع من حاطب وهو الذي تبين بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وشتان شتان بين فعل لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من صاحبه كالمقاتلة، وبين ما يعرض له الاحتمال والاشتباه كالمخابرة والجس، والله أعلم.

3-وبتقدير أن حاطبًا وقع في المظاهرة المكفرة، وهو قول لبعض أهل العلم مستدلين بـ:

1-أن عمر حكم على حاطب بالكفر والنفاق لأنه رأى في فعله مظاهرة للمشركين ومناصرة لهم، فعُلم أن المستقر عنده كفر من ظاهر المشركين على المسلمين، يقول الإمام البيهقي في سننه 10/208: (ولم يُنكِر على عمرَ رضي الله عنه تسميته بذلك إذ كان ما فعل علامَةً ظاهرةً على النِّفاقِ وإِنما يكفرُ من كفَّرَ مسلمًا بغير تأويل) .

2-أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ردّ على عمر قوله وإنما سكت، فكان ذلك إقرارًا له على أن حكم المظاهرة كذلك، لكنه استفسر من حاطب وسأله عن صنيعه هذا ليعلم حقيقة الأمر وجليته، والباعث لحاطب على ما أقدم عليه، وهل ثمة ما يمنع من تنزيل حكم الكفر والردة عليه، فلما تبين الأمر خطأ عمرًا في التنزيل والحكم على المعين لا في حكم الفعل، وفرق بين من أخطأ في وصف فعل بأنه كفر، ومن أخطأ في تنزيل الوصف على معين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت