الصفحة 36 من 62

استدل ابن سينا على نفي صفة الكلام بحجة داحضة وهي: أن إثبات صفة الكلام لله تعالى يوجب إما أن يكون كلامه من جنس كلام البشر ، أو لا يكون من جنس كلامهم، فإذا كان من جنس كلام البشر كان مشاركًا له من جهة الإمكان والعرضية ، أي كونه ممكنًا ومحلًا للأعراض ، وهذا متعذر في حقه تعالى ، ويلزم أن يكون الله تعالى جرمًا لأن الكلام غير متصور دون حروف وأصوات، والحروف عبارة عن تقطيع الأصوات، وهذا لا يكون إلا للجرم، والصوت لا يكون إلا عن احتكاكات الأجرام. وإذا كان كلامه ليس من جنس كلام البشر فهو غير معقول، وغير المعقول محال. (1)

وإذا قيل له إن نفي صفة الكلام يقتضي إنكار أمره ونهيه عز وجل، وهذا يؤدي إلى عدم تحقيق معنى الطاعة له تعالى، وعدم صحة الرسالة. قال: إن معنى الطاعة لا يتحقق عن طريق الأمر والنهي ، بل يستند إلى التسخير على وجه الطواعية والإذعان على وفق الإرادة والاختيار، وأن تسخيره تعالى للمخلوقات وإبداعه للكائنات دون آلات وأدوات ، وتقليبه الخلائق بين المرغبات والمنفرات على وجه الطواعية حالة تنزل منزل القول بالأمر والنهي وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) سورة فصلت:11، فخطابه للسماء والأرض متعذر وكذلك قولهما ، وليس ذلك منهما إلا على سبيل الانقياد والتسخير. (2)

المناقشة: تتضمن المناقشة النقاط التالية:

أولًا: إثبات صفة الكلام لله عز وجل:

(1) غاية المرام في علم الكلام: سيف الدين الآمدي، تحقيق حسن محمود الشافعي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث- القاهرة -1391ه-1971م- بتصرف - ص92.

(2) المصدر السابق - بتصرف - ص93-94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت