... إنّ عمدة ابن سينا في إثبات النبوة هو المنامات. قال إنّ معرفة الأمور الغائبة عن طريق النوم ممكنة ، فوجب أيضًا أن تكون كذلك في حالة اليقظة. فالنائم تتجرد نفسه عن بدنه نوع تجرد فيحصل لها من العلم الذي يلقيه الله إليها ما لم تحصله في غير هذا الحال. وهكذا يمكن أن يحصل في اليقظة نوع تجرد فتتصل النفس البشرية بالنفس الكلية وتتلقى عنها من العلم ما لم تحصله في غير هذا الحال (1) .
وفي رأي ابن سينا أنّ التجربة والبرهان القياسي يشهدان أنّ النّفس الإنسانية تستطيع أثناء النوم الوقوف على المجهول، وإذا كان الأمر كذلك فليس بمستبعد عليها أن تتكشف المجهول حال اليقظة. وأنّ التجربة والقياس يقرران أن أشخاصًا كثيرين تنبؤا بالمستقبل عن طريق الأحلام. وكذلك العقل حيث نسلم بأن الأحداث الماضية والحاضرة والمستقبلية مثبتة في العالم العلوي، ومقيدة في اللوح المحفوظ. وإذا استطاعت النفوس البشرية الصعود إلى العالم العلوي والوقوف على ما في اللوح المحفوظ عرفت ما فيه، وتنبّأت بالغيب. وإذا كان هناك أشخاص يدركون مثل هذا الغيب عن طريق مخيلتهم أثناء النوم فيحلمون بأشياء كأنّها حقائق مسلمة. فإنّ غيرهم من الأشخاص ممن عظمت نفوسهم وقويت مخيلتهم يدركون ما في علم الغيب حال اليقظة، - كما يدرك غيرهم حال النوم- وهؤلاء هم الأنبياء. (2)
(1) الإشارات والتنبيهات-مصدر سابق- 4/899-900، الرد على المنطقيين-مصدر سابق- ص 484-486، الصفدية:أحمد بن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، الطبعة الثانية 1406ه،1 /6-7.
(2) انظر في الفلسفة الإسلامية-منهج وتطبيقه-: مدكور، دار المعارف- القاهرة- الطبعة الثالثة،1/101، الجانب الإلهي في فلسفة ابن سينا: الدكتور سالم مرداش، دار قتيبة- دمشق- الطبعة الأولى 1412ه-1992م،ص294.