الصفحة 16 من 62

علوم الرسل أعظم من الحاجة إلى الطب، فيقول:"حاجة النّاس إلى الشريعة ضرورية، فوق حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها، ألا ترى أنّ أكثر العالم يعيشون بغير طبيب، ولا يكون الطبيب إلا في بعض المدن الجامعة، وأمّا أهل البدو كلّهم وأهل الكفور كلّهم وعامة بني آدم فلا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصحّ أبدانًا وأقوى طبيعةً ممّن هو متقيد بالطبيب، ولعلّ أعمارهم متقاربة، وقد فطر الله بني آدم على تناول ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم، وجعل لكل قوم عادةً وعرفًا في استخراج ما يهجم عليهم من الأدواء، حتى أنّ كثيرًا من أصول الطب إنّما أخذت عن عوائد الناس وعرفهم وتجاربهم، وأمّا الشريعة فمبناها على تعريف مواقع رضى الله وسخطه في حركات العباد الاختيارية، فمبناها على الوحي المحض، والحاجة إلى التنفس فضلا عن الطعام والشراب، لأنّ غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه، وأمّا ما يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبدان، وشتان بين هذا، وهلاك البدن بالموت، فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والقيام به، والدعوة إليه، والصبر عليه وجهاد من خرج عنه، حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسم". (1)

(1) مفتاح دار السعادة، مطبعة صبيح، القاهرة 2/2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت