... فوجود النبوة واجب، وواجب أن يكون إنسانًا، وله من الخصائص ما لغيره من الناس حتّى يستشعر الناس فيه أمرًا لا يوجد لهم ، ويجب أن تكون له المعجزات التي أخبرنا بها. (1)
المناقشة:-
إنّ من الحق الذي ذهب إليه ابن سينا: أنّ وجود النّبي أكثر حاجةً وأشدّ من وجود كثير من المنافع الدنيوية، وأشدّ حاجةً من الحاجة إلى إنبات الشعر على الأشفار،وعلى الحاجبين،وتقعير الأخمص من القدمين، وغيرها من المنافع التي لا ضرورة إليها في البقاء الإنساني، وهذا موافق لما ذكره أئمة أهل السنة في هذا الموضوع، ومن ذلك ما قاله ابن تيمية، قال: فإنّ الله سبحانه جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعا بالدعوة إلى الله، وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه.."، ثم ذكر ثلاثة أصول وهي:1-إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهى القصص التي قصّها على عباده،والأمثال التي ضربها لهم، 2-وتفصيل الشرائع، والأمر والنهى والإباحة، وبيان ما يحبه الله وما يكرهه، 3- الأيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب. ثمّ قال:"وعلى هذه الأصول الثلاثة، مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل،فإنّ العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة إليها من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك وجه الحاجة إلى الطب ومن يداويه، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه، وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب، فإنّ آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأمّا إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا أو شقي". (2) ويبيّن ابن قيم الجوزية أنّ الحاجة إلى"
(1) انظر المصدر السابق ص 339 .
(2) مجموع الفتاوي 19/93-96.