ويعقل الأول - الذي هو الواحد الحق- لكن تنتهي عنده العقول والمعقولات،أي ينتهي الوجود الذي لا يحتاج ما يوجد ذلك الوجود إلى مادة وموضوع أصلًا، وعن هذا العقل تصدر مادة الأشياء الأرضية، والصور الجنسية،والنفوس الإنسانية، ويصل العالم العلوي بالعالم السفلي، وهو المسمى بالروح القدس أو بالروح الأمين، ومنه يفيض الوحي والعلم على الأنبياء. (1) وسنتعرض لمناقشة ابن سينا في معنى الوحي الذي ذهب إليه أثناء مناقشتنا لصفة الكلام، وذلك في المطلب السادس.
المطلب الثالث:النبوة ضرورية واو\جبة عند ابن سينا:
يذهب ابن سينا إلى ضرورة وجود النّبي، وأنّ بعثة النّبي واجبة عقلًا،يقول في ذلك:"فواجب إذًا أن يكون نبي،وواجب أن يكون إنسانًا، وواجب أن تكون له خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمرًا لا يوجد لهم، فيتميز به عنهم، فتكون له المعجزات التي أخبر به". (2) ويقول أيضًا:"إنّ النّبي من عند الله، وبإرسال الله، وواجب في الحكمة الإلهية إرساله، وأن جميع ما يسنه فإنّما هو ما وجب من عند الله أن يسنّه، وإنّما يسنّه من عند الله ...". (3)
... ويعدّ الفارابي أول الفلاسفة الإسلاميين القائلين بنظرية النّبوة وضرورة النّبي، وهو يعدّ النّبوة وسيلة من وسائل الاتصال بين عالم الأرض وعالم السماء، وأنّ النّبي لازم لحياة المدينة الفاضلة من الناحيتين السياسية والأخلاقية .
(1) انظر نظرية الفيض التي قال بها ابن سينا في كتبه: النجاة ص 274-278،الهداية ص 274-278، للرسالة النيروزية ص 93-94. أبو البركات البغدادي: المعتبر في الحكمة الإلهية 2/148-151، أبو حامد الغزالي: تهافت الفلاسفة 143-146. عبد الفتاح أحمد فؤاد: ابن تيمية وموقفه من الفكر السلفي187- 190.
(2) النجاة لابن سينا، دار الآفاق الجديدة - بيروت- الطبعة الأولى:1405ه- 1985م- تحقيق د. ماجد فخري ص339
(3) المصدر السابق ص343.