قال ابن القيم رحمه الله:"فقطع سبحانه وتعالى التخيير بعد أمره وأمر رسوله فليس لمؤمن أن يختار شيئًا بعد أمره - صلى الله عليه وسلم - بل ذا أمر فأمره حتم، وإنما الخيرة في قول غيره إذا خفي أمره، وكان ذلك الغير من أهل العلم".
فبهذه الشروط يكون قول الغير سائغ الاتباع، لا واجب الاتباع، فلا يجب على أحد اتباع قول أحد سواه، بل غايته أنه يسوغ له اتباعه، ولو ترك الأخذ بقول غيره لم يكن عاصيًا لله ورسوله.
فأين هذا مما يوجب على جميع المكلفين اتباعه، ويحرم عليهم مخالفته، ويوجب عليهم ترك كل قول لقوله؟ فلا حكم لأحد معه، ولا قول لأحد معه، ولك ما سواه فإنما يجب اتباعه على قوله إذا أمر بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكان مبلغًا محضًا ومخبرًا لا منشئًا ومؤسسًا.
فمن أنشأ أقوالًا وأسس قواعد بحسب فهمه وتأويله لم يجب على الأمة اتباعها ولا التحاكم إليها حتى تعرض على ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة، قبلت حينئذ، وإن خالفته وجب ردها وإطراحها، فإن لم يتبين فيها أحد الأمرين جعلت موقوفة، وكان أحسن أحوالها أن يجوز الحكم والإفتاء بها وتركه، وأما أنه يجب ويتعين فكلا، ولما" [1] ."
وقال ابن القيم في أعلام الموقعين (2/ 308) :"نقول لمن يفتي أو يحكم بقول من يقلده: هل تقول: إن هذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله، وأنزل به كتابه، وشرعه لعباده ولا دين له سواه؟ أو تقول: إن دين الله الذي شرعه لعباده خلافه؟ أو تقول: لا أدري؟ لا سبيل لك إلى الأول قطعًا فإن دين الله الذي لا دين سواه لا تسوغ مخالفته، والثاني لا تدعيه، فليس لك ملجأ إلا الثالث".
فيا الله العجب كيف تستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق، وتحلل وتحرم بأمور أحسن أحوالها وأفضلها (لا أدري)
(1) "زاد المعاد" (1/ 38) .