بيان أنه الخالق الرازق المنعم، وبيان أن غيره عاجز ضعيف لا يملك شيئًا وبيان أن الأمر كله له شرعًا وجزاءً.
وبهذا يتضح سبب وقوع بعض الناس في الشرك بالله تعالى، وذلك لظنهم أن غير الله تعالى يكون منعمًا بشيء استقلالًا أو له تأثير في التصرف ونحو ذلك فيقع في تعظيمه والخوف منه ورهبته ورجائه، وتلك هي عبادته.
والأدلة الدالة على استحقاق الله تعالى العبادة والسبب الذي استحق به العبادة كثيرة، وسأكتفي بذكر دليلين فقط - الأول: في أفضل سورة في القرآن والثاني: في أعظم آية في القرآن.
فالدليل الأول وهو سورة الفاتحة: فغن قول الله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) جاء بعد آيات تضمنت الحمد لله والثناء الحسن له، وأنه رب العالمين المنعم عليهم بأنواع النعم التي لا تحصى، وأنه الرحمن الرحيم بعباده، والمجازي لهم يوم الدين، فمجئ تلك الآية بعد هذه الآيات يدل على أن ما ذكر قبله السبب في استحقاق الله جل وعلا للعبادة وحده دون سواه، فإنه قد حمد نفسه بما له من الصفات العظيمة، وبين أنه رب العالمين أي سيدهم وخالقهم ومربيهم ومدبر أمرهم، فله أن يأمرهم بما يشاء، وبين أنه الرحمن الرحيم، فهذان اسمان يبعثان على الرغبة فيما عند الله، ويدفعان توهم بعض المشركين من أنه لا يمكن التقرب إلى الله إلا بواسطة لكثرة الذنوب والمعاصي، ثم بين ملكه ليوم الدين، فيبعث هذا على عبادة الله وحده لأنه هو المجازي وحده، وهو الذي يملك الشفاعة ولا يشفع عنده أحد إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له.
وأما الدليل الثاني وهو: آية الكرسي التي هي أعظيم آية في القرآن - فإن فيها بيان استحقاق الله تعالى وحده للعبادة والسبب الذي استحق به العبادة - وبيان ذلك: أن الله تعالى بدأها بأنه هو المستحق للعبادة فقال: (الله لا إله إلا هو) ثم ذكر بعد ذلك من الصفات ما يدل على أنه بها قد استحق العابدة فقال: (الحي القيوم) فالحي اسم دال على حياة الله الكاملة المقتضية كمال علمه وعزته وقدرته وغير ذلك من صفاته الذاتية، و (القيوم) اسم دال على قيام الله بنفسه وقيامه بخلق الموجودات وإحكامها ورزقها وتدبيرها ثم قال: (لا تأخذه سنة ولا نوم) فنفى هذه النقائص ليؤكد كمال ما ذكره من اسميه (الحي القيوم) وهذا يقتضي الاعتماد على الله جل وعلا وحده كما قال (وتوكل على الحق الذي لا يموت) [الفرقان: 58] وقال: (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم) [الرعد:33] والمعنى كما قال بان جرير:"أفالرب الذي هو"