كان بعث معاذ إلى اليمن سنة (10 هـ) قبل حج النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكره المصنف ـ يعني البخاري ـ في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في آخر سنة تسع، واتفقوا أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، ثم توجه إلى الشام فمات فيها.
قال شيخ الإسلام: ومن فضائل معاذ - رضي الله عنه - أنه بعثه - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مبلغًا عنه، ومفقهًا ومعلمًا وحاكمًا.
(إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب) قال القرطبي: يعني به اليهود والنصارى، لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب وأغلب، وإنما ينبه على هذا ليتهيأ لمناظرتهم، ويُعد الأدلة لامتحانهم، لأنهم أهل علم سابق، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان.
قال الحافظ: هو كالتوطئة للوصية ليجمع همته عليها.
-وفيه دليل على معرفته - صلى الله عليه وسلم - بأحوال الناس، وما يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحوال الناس له طريقان:
1)الوحي. ... 2) العلم والتجربة.
وأخبره - صلى الله عليه وسلم - بذلك لأمرين:
1.أن يكون بصيرًا بأحوال من يدعو.
2.أن يكون مستعدًا لهم، ولأنهم أهل كتاب وعندهم علم.
(فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وفي رواية (إلى أن يوحدوا الله) هذه الرواية في كتاب التوحيد من صحيح البخاري.
أشار بها المصنف إلى التنبيه على معنى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن معناها: توحيد الله بالعبادة، ونفي عبادة ما سواه.
وفي رواية: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله) ذلك هو الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، كما قال تعالى:
{فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} والعروة الوثقى: (لا إله إلا الله)
قال شيخ الإسلام: (وقد علم بالاضطرار من دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - واتفقت عليه الأمة: أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال ... ) أ. هـ
(فإن هم أطاعوك لذلك) أي شهدوا وانقادوا لذلك.
(وإياك وكرائم أموالهم) الكرائم: جمع كريمة، أي نفيسة، وهي خيار المال وأنفسه وأكثره ثمنًا.
(واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) اتق: أي اجعل بينك وبينها وقاية، بالعدل وترك المظالم.
وهذان الأمران يقيان من رُزقهما من جميع الشرور، دنيا وأخرى.
(ليس بينها وبين الله حجاب) أي لا تحجب عن الله تعالى، بل ترفع إليه فيقبلها وإن كان عاصيًا، كما في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: (دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه) . إسناده حسن
المعنى الإجمالي للحديث:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وجه معاذ إلى اليمن داعيًا إلى الله ومعلمًا بين له أنه سيواجه قومًا أهل علم وجدل من اليهود والنصارى ليكون على أهبة لمناظرتهم ورد شبههم ثم ليبدأ في دعوته في الأهم فالأهم فيدعو الناس إلى إصلاح العقيدة أولًا لأنها الأساس، فإذا انقادوا لذلك أمرهم بالصلاة لأنها أعظم الواجبات بعد التوحيد، فإذا أقاموها أمر أغنياءهم بدفع زكاة أموالهم إلى فقرائهم، ثم حذره من أخذ جيد المال لأن الواجب الوسط، ثم حثه على العدل وترك الظلم.
مناسبة الحديث للباب:
فيه أن أول ما يدعى إليه شهادة أن لا إله إلا الله.
من فوائد الحديث:
1 -أن شهادة أن لا إله إلا الله هي أول ما يدعى إليه الناس.
2 -وفيه أن أول واجب يجب على المكلف هو شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوالٌ لأرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، كما قال - عليه السلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني محمدًا رسول الله) . متفق عليه
3 -مشروعية بعث السعاة في الدعوة إلى الله.