لكمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - ورحمته بأمته ونصحه لهم فإنه يحذرهم من الظهور بمظهر العبادة لقصد تحصيل ثناء الناس لأنه شرك في العبادة، وهو وإن كان شركًا أصغر فخطره عظيم لأنه يحبط العمل الذي قارنه.
مناسبة الحديث للباب:
إذا كان الشرك الأصغر مُخافًا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع كمال علمهم وقوة إيمانهم، فكيف لا يخافه ـ وما فوقه ـ من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب.
من فوائد الحديث:
1 -شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر، وذلك من وجهين:
الأول / أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تخوف من وقوعه تخوفًا شديدًا.
الثاني / أنه - صلى الله عليه وسلم - تخوف من وقوعه في الصالحين الكاملين فمن دونهم من باب أولى.
2 -وفيه الخوف من الرياء، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين، لأن النفوس مجبولة على حب الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلمه الله وعصمه.
3 -أنه ينبغي على الإنسان أن يخاف على نفسه الشرك الأكبر، فإذا كان الأصغر مخوفًا على الصالحين من الصحابة مع كمال إيمانهم، فينبغي للإنسان أن يخاف الأكبر لنقصان إيمانه ومعرفته بالله.
4 -أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر.
الأكبر: هو أن يسوي غير الله بالله في ما هو من خصائص الله.
والأصغر: هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر.
والفرق بينهما:
-الشرك الأكبر يخرج من الملة، والأصغر لا يخرج من الملة.
-الشرك الأكبر يخلد صاحبه في النار، والأصغر لا يخلد صاحبه فيها إن دخلها.
-الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، والأصغر يحبط العمل الذي قارنه.
5 -العبادة إذا اتصل بها الرياء لها أحوال:
أ- أن يكون الباعث على العبادة مراعاة الناس من الأصل، فهذا مبطل للعبادة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:
(قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) . رواه مسلم
ب- أن يكون مشاركًا للعبادة في أثنائها، بمعنى: أن يكون الحامل له في أمره الإخلاص لله، ثم طرأ الرياء في أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى / أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال، وآخرها باطل، مثاله: رجل عنده مائة ريال، يريد أن يتصدق بها، فتصدق بخمسين منها صدقة خالصة ثم طرأ عليه الرياء في الخمسين الباقي، فالأولى صدقة صحيحة مقبولة، والخمسون الثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.
الحالة الثانية / أن يرتبط أول العبادة بآخرها، فلا يخلو الإنسان حينئذٍ من أمرين:
• أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه، فإنه لا يؤثر شيئًا.
• أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه، فحينئذً تبطل جميع العبادة، لأن أولها مرتبط بآخرها.
• أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة، فإنه لا يؤثر عليها ولا يبطلها، لأنها تمت صحيحة.
م/ (وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار") [رواه البخاري 3/ 196]
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(النِّد) : الشبيه، قال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون} ، وقال تعالى: {وجعل لله أندادًا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلًا إنك من أصحاب النار} .
ومعنى اتخاذ الأنداد: تشريك غير الله معه في العبادة من الصالحين والأنبياء والأشجار والأحجار.
المعنى الإجمالي للحديث:
يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من مات وهو يدعو لله ندًّا فيما يختص به تعالى ويستحقه من الربوبية والإلهية دخل النار لأنه مشرك، لأن الله هو المستحق للعبادة لذاته، لأنه المألوه المعبود الذي تأله القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند