فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 217

قال شيخ الإسلام: ( ... فمدح هؤلاء بأنهم لا يسترقون أي / لا يطلبون من أحد أن يرقيهم، والرقية من جنس الدعاء فلا يطلبون من أحدٍ ذلك) . أ. هـ

لم ينهى عنها وإنما ذكر فضل تركها فقط، فإذا دعت الحاجة إليه فلا بأس من العلاج، وتركه أفضل عند عدم الحاجة.

وفي رواية لمسلم: (ولا يرقون) . قال شيخ الإسلام: (وهذه الزيادة وهمٌ من الراوي، لم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ ولا يرقون ـ لأن الراقي محسنٌ إلى أخيه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سُئل عن الرقى:"من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل"، وقال:"لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا") . أ. هـ

وقال رحمه الله: (والفرق بين الراقي والمسترقي في أن المسترقي سائلٌ مستعطٍ ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن) .

(ولا يكتوون) أي / لا يسألون غيرهم أن يكويهم، فتركه أفضل عند عدم الحاجة لأنه نوع من التعذيب

(ولا يتطيرون) أي / لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، وهذا شرك لقوله - صلى الله عليه وسلم: (الطيرة شرك) .

وكانت العرب معروفة بالتطير، فمنهم من يتشاءمون بشهر صفر، ومنهم من يتشاءمون بشهر شوال بالنسبة للنكاح، ومنهم من يتشاءم بصوت. (وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الطيرة وما يتعلق بها)

(وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال، وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه.

واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمرٌ فطريٌ ضروري، لانفكاك لأحدٍ عنه، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله، كالاكتواء والاسترقاء.

(فقام عكاشة بن محصن) عُكاشة: بضم العين. ومِحصن: بكسر الميم، كان من السابقين إلى الإسلام، هاجر وشهد بدرًا وقاتل فيها، ومناقبه مشهورة، استشهد في قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد عام (12 هـ) .

(ادع الله أن يجعلني منهم) وللبخاري في رواية: (اللهم اجعله منهم) وفي بعض الروايات قال: (أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم) .

(ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عُكَّاشة) هذا الرجل الآخر ذُكِرَ مبهمًا، فلا حاجة بنا إلى البحث عن اسمه. (قاله في فتح المجيد 171)

واختلف العلماء لماذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام لهذا الرجل؟

فقيل / أنه كان منافقًا، وهذا فيه نظر من وجهين:

1)أن الأصل في الصحابة عدم النفاق، فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح.

2)أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصدٍ صحيح، ويقين بتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكيف يصدر ذلك من منافق.

وقيل / أنه قال ذلك سدًا للباب لئلا يقوم من ليس من أهلها فيطلبها فيتسلسل الأمر، فقال هذه الكلمة التي أصبحت مثلًا.

مناسبة الحديث للباب:

أن فيه شيئًا من بيان معنى تحقيق التوحيد وثواب ذلك عند الله.

من فوائد الحديث:

1 -وفيه فضل السلف الصالح وحرصهم على الإخلاص، وشدة ابتعادهم عن الرياء، والتزين بما ليس فيهم، وهذا بخلاف من يقول فعلت وفعلت، ليوهم أنه من الأولياء، وربما علق السبحة في عنقه أو أخذها في يده يمشي بها بين الناس، إعلامًا للناس أنه يسبح عدد ما فيها من الخرز، وقد قال الإمام محمد بن وضاح ... عن الصلت بن بهرام: (مر ابن مسعود بامرأة تسبح بسبحة فقطعها وألقاها، ثم مرّ برجلٍ يسبح بحصى، فضربه برجله، ثم قال: لقد جئتم ببدعة ظلمًا، أو: لقد غلبتم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - علمًا) .

2 -يجوز للإنسان إذا خشي أن يظهر فيه شيء أن يبادر لنفيه، كقول الإنسان: (لن آكل ولست بصائم) وليس هذا من باب الرياء.

3 -طلب الحجة على صحة المذهب وعناية السلف بالدليل.

4 -حرص السلف على مذاكرة العلم.

5 -أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت