(قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به، فقد أحسن، لأنه أدى ما وجب، وعمل بما بلغه من العلم.
-وفيه عمق علم السلف، لقوله (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا) ، فَعُلِمَ أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
-وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم، وهديهم وتلطفهم في تبليغ العلم وإرشادهم من أخذ بشيء ـ كان مشروعًا ـ إلى ما هو أفضل منه.
-وفيه أن من عمل بما بلغه عن الله ورسوله فقد أحسن.
(ولكن حدثنا ابن عباس) أراد سعيد بن جبير أن يبين ما هو أفضل من الاسترقاء، فقال (حدثنا ابن عباس)
ابن عباس: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل) . رواه أحمد والحاكم، وهو في الصحيح غير قوله: (وعلمه التأويل) ، مات بالطائف سنة (68 هـ) .
(عرضت علي الأمم) كان هذا في ليلة الإسراء على القول الصحيح، فقد جاء في رواية عن ابن القاسم عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء، ولفظه: (لما أسري بالنبي - عليه السلام - جعل يمر بالنبي ومعه الواحد ... ) .
العارض هو الله سبحانه وتعالى.
(فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد)
الرهط: الجماعة دون العشرة. قاله النووي.
(والنبي ومعه الرجل والرجلان) .
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: (الظاهر أن الواو بمعنى أو، أي: ومعه الرجل أو الرجلان، لأنه لو كان معه الرجل والرجلان صار يغني أن يقول: ومعه ثلاثة) .
(إذ رفع إلي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي هذا موسى وقومه)
السواد: ضد البياض، والمراد هنا الشخص الذي يُرى من بعيد، أي رفع إلي أشخاص كثيرة.
-فيه فضيلة موسى - عليه السلام -.
-وفيه كثرة أتباع موسى - عليه السلام -.
(فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك) أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على قسمين:
1.أمة دعوة، وهذه تشمل كل الناس من بعد عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
2.أمة الإجابة، وهم المسلمون.
(فنظرت فإذا سواد عظيم) هذا السواد أعظم من الأول، لأنه جاء في رواية: (قد سد الأفق) .
(ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنـ ة بغير حساب ولا عذاب) في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصحيحين أنهم (تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر) .
وروى الإمام أحمد في حديث أبي هريرة: (فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ألفًا) . قال الحافظ: سنده جيد.
-فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية.
أما الكمية: فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى سوادًا عظيمًا أعظم من السواد الذي مع موسى - عليه السلام -.
وأما الكيفية: فلأن معهم هؤلاء الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
(بغير حساب ولا عذاب) أي لا يعذبون ولا يحاسبون كرامة لهم، وظاهره: لا يعذبون في قبورهم ولا بعد قيام الساعة.
(ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك) ... (ثم نهض) أي قام. (فخاض الناس في أولئك) أي تكلموا وتناظروا.
قال النووي: (وفي هذا إباحة المناظرة في العلم، والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق) .
(فخاض الناس في أولئك) هذا من العام الذي أريد به الخصوص، أي / جملة الحاضرين.
(فقال هم الذين لا يسترقون) أي / لا يطلبون من يرقيهم لقوة اعتمادهم على الله، ولما في ذلك من التعلق بغير الله.