فالمدرسون والمحاضرون يتحدثون إلى طلابهم كل يوم بمئات الحقائق التي لم يشاهدها الطلاب فيصدقون ... وكذلك الأطباء والمهندسون والخبراء يصدقهم الكافرون بما قالوا دون أن يشترطوا المشاهدة وربما بلغت المعلومات التي يصدق بها الكافرون لا يرى الحرارة- و جزئياتها وير تصهر الثلج ولكنه لا يشك أن الحرارة تصهر الثلج لأنه رأى أثر الحرارة.
وإن أمواج الإذاعة هي التي أحدثت الصوت الذي يسمعه في جهاز استقبال الإذاعة (الراديو) وهو ما شاهد الهواء ولا أمواج الإذاعة ولكنه أدرك أثر كل منهما فآمن وصدق بوجودها وكان يكفيه لإيمانه بربه أن يسلك نفس الطريق الذي سلكه لمعرفة شتى الحقائق:
ا- أن يتعلم من المختصين الثقات في هذا الأمر وهم الرسل- عليهم صلوات الله وسلامه- الذين ختم الله رسالتهم بآخرهم محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- بعد أن يتأكد من ثبات رسالته وبراهين نبوته.
2 -أن يرى آثار الخالق في مخلوقاته التي تملأ الأرض والسماء فلا يمكن أن تكون الحكمة الظاهرة في الكون كله من غير حكيم ولا العلم من غير عليم ولا الخبرة من غير خبير ولا الصور البديعة من غير مصور بديع وهكذا .... لكنه العناد والجهل والكبر {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (سورة النمل: آية 14) .
وأمثال هؤلاء يقول الله عنهم: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} (سورة الشعراء: الآيتان 200 - 201) .
اقتراحَات وَشرُوط
وهناك طائفة من المتعنتين الكافرين، لم يبحثوا في البينات التي وضحها الله لعباده في مخلوقاته وأرسل بها رسله، فيسلكوا الطريق المستقيم بل تكبروا على الذي خلقهم من ماء مهين، وحسبوا أنهم قد بلغوا في أنفسهم درجة تمكنهم من الاقتراح على الله لنوع البينات- والأدلة التي تكون مقبولة عندهم. فأخذوا يقترحون المقترحات، ويشترطون الاشتراطات لإيمانهم ولو أجابهم الله إليها لازدادوا عنتًا، وفسد نظام الأرض والسماء لأن هذا سيشترط على الله أن يجعل الليل نهارًا وآخر يشترط أن يجعل النساء رجالًا وثالث يشترط أن يقتل الله له خصمه، ويزوجه فلانة وفلانة، وهذا يقترح على الله أن يجعل أمامه الأرض سماء وهذا سيقترح أن يجعله ربه في درجة الأنبياء وصدق الله القائل: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} (سورة المؤمنون: آية 71) ولكن الله سبحانه لا يستزله الجاهلون، فقد أقام للناس الدلائل وأوضح البينات وأقام البراهين، وخلق للناس أسماعًا وأبصارًا وأفئدة ينتفع بها المؤمنون، ويأبى الجاهلون الكافرون إلا العنت وأي حجة تبقى لهم