وإذا كان خالقك هو الذي منحك السمع للأصوات وأنت في عالم السكون في بطن أمك فزودك بآلات السمع الدقيقة المحكمة التي عرفت بها الخطاب الموجه إليك، وعرفك غيرك ما يريد وسمعت بها ما جهلت، وجمعت بها علوم غيرك إلى معلوماتك وبهذه الآلة السمعية تمكن الإنسان أن يتخاطب مع أخيه الإنسان من إنشاء هذه العلاقات التي يرضاها مع غيره كما تمكن من سماع الأصوات المختلفة التي تقع في نطاق سمعه.
وإذا كان خالقك- سبحانه- هو الذي منحك قوة العقل والفهم والوعي والتمييز بين الحق والباطل والضار والنافع، فتميزت بهذا الفؤاد الواعي عن الأنعام التي تشترك معك في السمع والبصر وركب هذا الفؤاد فيك فتمكنت من معرفة ما ينفعك فسخرت به الجبال والبحار، وطوعت به النبات والحيوات، وغصت به في أعماق الماء وطرت به في الفضاء. وحسّنت به عيشك في هذا الدنيا فسعيت لما ينفعك، ونغّصت به عيش خصومك، فوجهت إليهم ما يضرهم. وبغير هذا الفؤاد العاقل تكون في عالم المجانين، فضلًا عن أن تصنع الآلات أو تخترع المخترعات أو تبني المساكن أو تزرع الأرض.
وإذا تأملت أيها الإنسان إلى نتيجة حياتك بدون سمع وبصر وفؤاد عاقل فسترى أنك تعجز أن تنقل نفسك من مكانك إلى مكان آخر يناسبك، وستعجز أن تجد طعامك وشرابك كما تعجز أن تحفظ نفسك من أي خطر يتوجه نحوك من حيوان أو إنسان
وعندئذ يكون الموت أحب إليك من هذه الحياة العمياء الصماء غير العاقلة.
وإذا كان الأمر أيها الإنسان كذلك، ألا ترى أن أول واجب عليك هو أن تستخدم هذه الأدوات التي خلقها لك خالقك لتتعلم ما جهلت- في معرفة خالقك ورسوله، والتعرف على مشيئة من خلقك وأوجدك، ولو منع الله عنك السمع والبصر والفؤاد ما تمكن أحد من الناس الذين تعلقت بهم أو أطعتهم أو الأوثان أو الطاغوت بكل صوره أن يهب لك سمعًا أو بصرًا.
قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} (سورة الأنعام: آية 46) .
وهكذا يرى العاقل أن عليه أولًا أن يستخدم أدوات العلم التي منحها له خالقه في العلم بأمر خالقه والعلم بمرضاته، والعلم بما جاء به رسول ربه إليه قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} (سورة البقرة: آية 239) ، فنكون بذلك مع المطيعين الشاكرين الذين قالوا: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (سورة البقرة: آية 32) .
كما يرى العاقل أن أول واجب عليه هو أن يمتثل لأمر ربه القائل: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (سورة محمد: آية 19) (1) فيأخذ عقيدته بعلم ويقين حتى يكون من أهل الإيمان الراسخ الذي