وما كان أحد يتصور أن الناس سيكرهون تربية أولاد من أصلابهم ويقبلون على تربية الكلاب وخاصة في بيئة عربية قبلية تفاخر بالأبناء وكثرتهم.
لكنها النبوة قد كشف الله لرسوله بها حجب الزمان، وأخبر أن ذلك من علامات آخر الزمان فقال عليه أفضل الصلاة والسلام:"إذا اقترب الزمان لأن يربي الرجل جروًا (15) خير له من أن يربي ولدًا له، ولا يوقر كبيرًا ولا يرحم صغيرًا، ويكثر أولاد الزنى حتى إن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق, يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أمثلهم في ذلك المداهن" (16) .
هذه بعض العلامات قد شاهدناها، وقد أخبرتنا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكثير ورأينا منها الكثير والذي أخبرنا عن أمارات الساعة قبل ظهورها بقرون فرأيناها كما أخبر، هو الذي اخبرنا عن الساعة وأمرها وأحوالها مما يحث العاقل ويدفعه إلى أن يتفكر في مصيره الذي أخبره به الرسل الكرام صلى الله عليهم أجمعين، كما سيدفعه ذلك إلى أن يتفكر في أمر هذه الدنيا التي يعيش فيها.
الدّنيَا وَحَقيقتهَا
إذا تأملت إلى ما مضى من عمرك، فستعرف قيمة هذه الحياة لأنك إذا أشرفت على حافة قبرك وتذكرت حياتك التي تنتهي باحتضارك ستعرف عندئذ أنك لم تكن فيها إلا عابر سبيل كما أخبرك الرسول الكريم بقوله:"عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"فهل أعددت أيها المسافر ما يلزمك لدار النزول أم أنك انشغلت بجمع الفائض عن حاجتك و أهملت كل ما تحتاجه غدًا .. سل نفسك ما الذي تنتفع به عمليًا مما تصارع من أجله ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وستخرج تاركًا كل شيء. لو اجتمع من عاشوا في الأرض من قبلنا لرأينا آلاف الأشخاص يتنازعون على قطعة أرض واحدة كل يدعي أنه قد ملكها واحتجزها وكانت ضمن ممتلكاته!! فمن المالك الحقيقي؟ قال تعالى: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَاخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (سورة الحجر: آية 23 - 25)
لو فكرت كثيرًا في أمرك وعرفت خالقك ورسوله إليك لعرفت عندئذٍ أن هذه الدنيا ما هي إلا دار ابتلاء وامتحان يتعاقب عليها الناس ليتميز عليها المطيع لربه من العاصي ثم يخرجون منها كما دخلوا إليها {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} (سورة الأنعام: آية 94) .
ولو عرفت الآخرة وحقيقتها لعملْتَ واشتقت للعيش فيها وأنقذت نفسك من أخطارها.
الدّار الآخِرَة