المسألة الخامسة:- وسطية أهل السنة- رحمهم الله تعالى- في مرتكب الكبيرة في الآخرة, فإن أهل القبلة قد انقسموا في هذه المسألة إلى ثلاث فرق, طرفين ووسط, وخير الأمور الوسط, وكلا طرفي قصد الأمور ذميم, وقبل الدخول في تفاصيلها أقول:- اعلم - رحمك الله تعالى- أن هذه المسألة تعتبر فرعًا ونتيجة للمسألة السابقة وهي ثمرة من ثمرات الأقوال السابقة, فليست بمسألة جديدة تمامًا بل هي كالثمرة لما سبق, إذا علمت هذا فاعلم أن المرجئة قالت:- مهما فعل المؤمن من الذنوب فإنه لايؤثر ذلك في نقص إيمانه, فهو مؤمن كامل الإيمان, ولو سألتك وقلت:- مامصير من معه الإيمان الكامل المطلق التام يوم القيامة؟ لاشك أنك ستقول:- مآله الجنة مباشرة, فأقول:- نعم هو كذا فالمرجئة يقولون:- إن مرتكب الكبيرة إلى الجنة مباشرة لأنه كامل الإيمان, وارتكاب الكبيرة لايضره أبدًا, وأما الوعيدية فقد سبق لنا أنهم يقولون:- إن مرتكب الكبيرة خارج من دائرة الإيمان, فليس معه مطلق الإيمان ولو سألتك وقلت:- بالله عليك مامصير من ليس معه مطلق الإيمان يوم القيامة؟ لاشك أنك ستقول:- إلى النار وبئس القرار, فأقول:- نعم هو كذا, فالوعيدية يقولون:- إن مرتكب الكبيرة إن مات مُصِرًا عليها فهو في النار خالدًا مخلدًا فيها أبدًا فالمرجئة فرطوا في هذه المسألة لأنهم فرطوا في سابقتها, والوعيدية أفرطوا فيها لأنهم أفرطوا في المسألة قبلها, وأما أهل السنة فقد توسطوا كعادتهم رضي الله عنهم وأرضاهم فقالوا:- إن مرتكب الكبيرة إن مات وهو مُصِر عليها فلا نقول:- إنه يدخل الجنة مباشرة ولانقول يدخل النار مباشرة بل هو تحت المشيئة لأن معه موجب الثواب وهو مابقي معه من الإيمان, ومعه موجب العقاب وهو مامعه من الذنب والعصيان, فهو تحت المشيئة إن شاء الله تعالى غفرله وأدخله الجنة ابتداءً وإن شاء عذبه في النار بقدر ذنوبه ثم يخرجه منهاإلى الجنة انتقالًا, فالمرجئة أخذوا بطرفٍ من الأطراف