المسألة الثالثة:- وسطية أهل السنة- رحمهم الله تعالى- في مسألة تسيير العبد وتخييره، فإن أهل القبلة قد انقسموا في ذلك إلى ثلاث فرق, وقبل أن أبين ذلك أقول:- إعلم رحمنا الله وإياك أن خلافهم في هذه المسألة فرع عن اختلافهم في المسألة قبلها, أي أن خلافهم هنا هو بعينه ثمرة اختلافهم في مسألة القدر وبيان ذلك أن يقال:- لقد سبق أن الجبرية يقولون:- وليس للعبد قدرة ولااختيار أي أنهم سلبوا العبد مطلق القدر ومطلق الاختيار وبناءً عليه فإنهم قالوا:- العبد إذًا مسيَّر مطلقًا وسبق لنا أن القدرية قد أعطوا العبد القدرة المطلقة والاختيار المطلق وبناءً عليه فإنهم قالوا:- العبد إذًا مخير مطلقًا, فهذان قولان متطرفان متناقضان والسبب هو اضطرابهم وتناقضهم أصلًا في أصل المسألة, وأما أهل السنة فإنهم توسطوا كعادتهم رضي الله عنهم وأرضاهم, فقالوا:- لانقول هو مسيَّر مطلقًا ولانقول هو مخير مطلقًا, بل نقول:- العبد مسيَّر باعتبار ومخير باعتبار, فهو مسيَّر باعتبار القدر السابق والكتابة السابقة والعلم السابق والمشيئة السابقة, ولكنه مخير باعتبار دخول الفعل تحت قدرته واختياره, فإذا نظرنا إلى سبق الكتابة والفراغ منها قلنا:- مسيَّر, وإذا نظرنا إلى دخول الفعل تحت القدرة والاختيار قلنا:- مخير, فالعبد فيه تسيير وتخيير, وأضرب لك مثالين ليتضح لك الأمر في هذه المسألة:- الأول:- لوخيرت في الزواج بين امرأتين, فإن الزواج بأحدهما فعل داخل تحت قدرتك واختيارك ولكن اعلم أنك لن تتزوج إلا بمن كتب الله لك الزواج بها في سابق علمه جلَّ وعلا, فزواجك بإحداهما فيه تسيير وفيه تخيير,الثاني:- لوعرضت عليك وظيفتان, فإن التوظف في إحداهما أمر داخل تحت اختيارك فأنت بهذا الاعتبار مخيَّر, ولكن اعلم أنك لن تتوظف إلا فيما كُتب وقُدر لك وسبق به علم الله تعالى ومشيئة الله جلَّ وعلا, فأنت بهذا الاعتبار مسيَّر, فالعبد إذًا مسيَّر باعتبار سبق العلم