الصفحة 31 من 70

إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره, والقدرية فرطوا في إثبات القدر حتى جعلوا العبد هو الذي يخلق فعله وأن له المشيئة والاختيار والقدرة المطلقة فكل من الفرقتين عندها تطرف, أي أن كل واحدة من هاتين الفرقتين أخذت بطرفٍ من الأدلة فقط وتركت الطرف الآخر, بل أقول:- إنها فرقتان متناقضتان لأن كل واحدةٍ منهما أخذت بالأدلة التي تركتها الفرقة الأخرى, فالأدلة التي أخذتها الجبرية هي التي تركتها القدرية, والأدلة التي أخذتها القدرية هي الأدلة التي تركتها الجبرية ولذلك فهم جانبوا منهج الوسطية وخالفهم فهم السلف للأدلة التي أخذوا بها, وأما أهل السنة والجماعة- رحمهم الله تعالى- فإنهم أخذوا بكل أطراف الأدلة, ولم يدعوا منها شيئًا وأخذوا الحق الذي مع كلا الطائفتين وتركوا الباطل, فالحق الذي مع الجبرية هو إثبات القدر والحق الذي مع القدرية هو أن العبد له قدرة واختيار, فصار مذهبنا في القدر كما يلي:- أن كل شيء إنما يكون بقدر الله تعالى فلا يكون في الكون من حركة ولاسكون ولاإيجاد ولا إعلام ولاحياة ولا موت ولا نصر ولا هزيمة ولا غنىً ولا فقر ولاطاعة ولا معصية ولا أي شيء إلا بقدره جلَّ وعلا وأنه يعلم ماكان وما يكون ومالم يكن أن لو كان كيف يكون, وأن ماأصابك لم يكن ليخطئك وأن ماأخطأك لم يكن ليصيبك وأن كل شيء كان أويكون أو سيكون في هذا الكون فإنه مكتوب ومحسوب ومقدر, جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة, وأن الله تعالى له القدرة المطلقة والمشيئة المطلقة, وأما العبد فله مطلق القدرة ومطلق المشيئة, وأن العبد لايشاء إلا مايشاؤه ربه جلَّ وعلا, وأنه خالق كل شيء, ولا خالق إلا هو, ففعل العبد خلق لله تعالى ولكنه كسب للعبد, وأن العباد لهم قدرة ومشيئة بها يعرفون الحق من الباطل والطيب من الخبيث والنافع من الضار وأن الأمر كما قال تعالى { إنا كل شيءٍ خلقناه بقدر } وكما قال تعالى { وخلق كل شيءٍ فقدره تقديرًا } وكما قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت