رجب ومن ثمراتها أيضًا:- أنها سبب من أسباب الحياة السعيدة فالسعداء في حياتهم هم أهل الوسطية, فهم سعداء باطنًا وظاهرًا, بل سعادتهم لاتوصف حتى يقول أحدهم:- لويعلم الملوك وأبناء الملوك مانحن فيه- أي من السعادة- لجادلونا عليها بالسيوف, ويقول الآخر:- ماذا يفعل أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري إن سجني خلوة, ونفيي من بلدي سياحة, وقتلي شهادة, ويقول الآخر:- إنها لتمرعلى القلب لحظات يرقص القلب طربًا حتى إني أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا الأنس, فهم في عيشٍ طيب, فلا سعادة إلا بهذه الوسطية, وأما المخالفون لمنهج الوسطية فهم الأشقياء التعساء البؤساء, قلوبهم في شكوك وحيرة ولا يزالون في ريبهم يترددون, قد استولت الحيرة عليهم وامتلأت قلوبهم بظلمات الشبهات والشهوات, حتى يقول أحدهم:- لم أعرف من طول بحثي إلا أن الممكن مفتقر إلى الواجب, والافتقار أمر عدمي أموت ولا أعرف شيئًا ويقول الآخر وقد بلغ قمة الحيرة والتشكيك:-
نهاية إقدام العقول عقال** وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا** وغاية دنيانا أذىً ووبال
وما استفدنا من بحثنا طول عمرنا** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ويقول الآخر:- أكثر الناس شكًا عند الموت هم أهل الكلام وصدق فيما قال, وكلام غيرهم في مثل ذلك كثير, وماذلك إلا لأنهم خالفوا منهج الوسطية وأوغلوا في المخالفة بإفراط فيها أو تفريط, وهذا نهايتهم وآخر سعيهم, وأما أهل الوسطية فهم السعداء الأنقياء الأتقياء, فالوسطية توجب سعة البال وانشراح الصدر وهدوء القلب وراحته وانبساط الروح, وسعادة النفس وقوة اليقين ولايحصل ذلك أبدًا لأهل الغلو أو الجفاء, بل لايحصل لهم إلا أضدادها من ضيق البال وانقباض الصدر وضيقه وشقاء القلب وظلمته واستيلاء الحيرة والشكوك عليه, وضعف اليقين وناهيك بهذه الخسارة, فالله الله بالالتزام بمنهج الوسطية, الذي هو طريق بين هاويتين وهدىً بين ضلالتين, والله أعلم .