الصفحة 12 من 70

كتحسره على توفيق الله لأحد من عباده وهدايته لهذا المسلك- أعني مسلك الوسطية- فدين الله تعالى بين الغالي والجافي, فالتحذيرمن أمر الغلو يتضمن الأمر بمسلك الوسطية,وبما أن التحذير من الغلو يدخل فيه كل غلو في أي باب من أبواب العقائد والشرائع, فكذلك أيضًا الأمر بالوسطية يدخل فيه كل وسطية في أي باب من أبواب العقائد والشرائع, والله أعلم.

ومن الأدلة أيضًا:- ما ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل فوجد فيه حبلًا مشدودًا بين ساريتين فقال (( ماهذا ) )؟ قالوا:- لأسماء, تصلي من الليل فإذا عجزت أو فترت أمسكت به فقال (( حلوه, ليصلِ أحدكم نشاطه فإذا عجز أو فتر رقد ) )وهذه تربية على وجوب الأخذ بمنهج الوسطية, وأن هذا الفعل من أسماء رضي الله عنها وإن كان مبدؤه حب العبادة, لكنه خروج عن حد الاعتدال ولذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مافعل منكرًا عليها هذا الفعل, معقبًا ذلك بالأمر بإعطاء كل ذي حق حقه, فالعبادة لابد أن يعطيها العبد حقها فقال (( ليصلِ أحدكم نشاطه ) )ولكن النفس والبدن أيضًا له حق وهو إعطاؤه قسطًا من الراحة ليتجدد نشاطه وتجتمع قواه مرة ثانية فقال (( فإذا عجز أو فتر رقد ) )فإذا كانت هذه التربية على الوسطية في شأن قيام الليل مع أنه نافلة فكيف بالله عليك يكون الشأن في أبواب الاعتقادات التي هي أعظم والمخالفة فيها أكبر, لاشك أن الوسطية فيها أشد مطالبة وأعظم اهتمامًا, وهذا من باب القياس الأولوي وقد تقرر في الأصول أن القياس الأولوي حجة والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت