الصفحة 46 من 62

و اللحظة الأخرى الصادقة هي لحظة الخلوة مع النفس حينما يبدأ ذلك الحديث السري .. ذلك الحوار الداخلي .

تلك المكالمة الانفرادية حيث يصغي الواحد إلى نفسه دون أن يخشى أذنًا أخرى تتلصص على الخط .

ذلك الإفضاء و الإفشاء و الاعتراف و الطرح الصريح من الأعماق إلى سطح الوعي في محاولة مخلصة للفهم .

و هي لحظة من أثمن اللحظات .

إن الحياة تتوقف في تلك اللحظة لتبوح بحكمتها .

و الزمن يتوقف ليعطي ذلك الشعور المديد بالحضور .. حيث نحن في حضرة الحق .. و حيث لا يجوز الكذب و الخداع و لتزييف .. كما لا يجوز لحظة الموت و لحظة الحشرجة .

إننا نكتشف ساعتها أننا عشنا عمرنا من أجل هذه اللحظة .. و أننا تألمنا و تعذبنا من أجل أن نصل إلى هذه المعرفة الثمينة عن نفوسنا .

و قد تأتي تلك اللحظة في العمر مرة فتكون قيمتها بالعمر كله .

أما إذا تأخرت و لم تأت إلا ساعة الموت .. فقد ضاع العمر دون معنى و دون حكم .. و أكلته الأكاذيب .. و جاءت الصحوة بعد فوات الأوان .

و لهذا كانت الخلوة مع النفس شيئًا ضروريًّا و مقدسًا بالنسبة لإنسان العصر الضائع في متاهات الكذب و التزييف .. و هي بالنسبة له طوق النجاة و قارب الإنقاذ .

و الإنسان يولد وحده و يموت وحده و يصل إلى الحق وحده .

و ليست مبالغة أن توصف الدنيا .. بأنها باطل الأباطيل الكل باطل و قبض الريح ..

فكل ما حولنا من مظاهر الدنيا يتصف بالبطلان و الزيف .

و نحن نقتل بعضنا بعضًا في سبيل الغرور و إرضاء لكبرياء كاذب .

و الدنيا ملهاة قبل أن تكون مأساة .

و مع ذلك نحن نتحرق شوقًا في سبيل الحق و نموت سعداء في سبيله .

و الشعور بالحق يملؤنا تمامًا و إن كنا نعجز عن الوصول إليه .

إننا نشعر به ملء القلب و إن كنا لا نراه حولنا .

و هذا الشعور الطاغي هو شهادة بوجوده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت