الصفحة 43 من 62

و الولد و البنت يتكلمان طوال ساعتين في كل شيء إلا ما يتحرقان شوقًا إلى أن يتصارحا به .. فهما يكذبان .

و فتاة البار تبدؤك الحديث بالحب و هو لا يخطر لها على بال و لا تشغلها سوى حافظة نقودك . و كم زجاجة من الشمبانيا ستفتح لها .

و الإعلان الذي يصف لك نكهة السيجارة و فوائدها الصحية يكذب عليك .

و الإعلان الذي يقول لك إن قرص الإسبرين يشفي من الإنفلونزا كذب حتى بالقياس إلى علم الأدوية ذاته .

و كل ما يدور في عالم البيع و الشراء يبدأ بالكذب .

و صورة لاعب التنس في يده زجاجة ويسمي و صورة الأسد الذي يحتضن زجاجة الكينا .. و بطل الجري الذي يدخن سيجارة فرجينيا كلها صنوف من الأكاذيب الظريفة التي تراها ملصقة على الجدران و على أغلفة الصحف و في إعلانات السينما و التلفزيون و كأنما أصبح الكذب عرفًا تجاريًا لا لوم عليه .

و في عالم السياسة و السياسيين و في أروقة الأمم المتحدة و على أفواه الدبلوماسيين نجد أن الكذب هو القاعدة .

بل إن فن الدبلوماسية الرفيع هو كيف تستطيع أن تجعل الكذب يبدو كالصدق .. و كيف تقول ما لا تعني .. و كيف تخفي ما تريد .. و كيف تحب ما تكره .. و كيف تكره ما تحب .

و أذكر بهذه المناسبة النكتة التي رويت عن تشرشل حينما رأى شاهدة مقبة مكتوبًا عليها ..

(( هنا يرقد الرجل الصادق و السياسي العظيم ) ).

فقال ضاحكًا:

هذه أول مرة أرى فيها رجلين يدفنان في تابوت واحد .

فلم يكن من الممكن إطلاقًا في نظر تشرشل أن يكون الرجل الصادق و السياسي العظيم رجلًا واحدًا .. إذ أن أول مؤهلات العظمة السياسية في نظر تشرشل هو الكذب .

و شرط السياسة هو أن تخفي الحقيقة لحساب المصلحة .. و تتأخر العاطفة لتتقدم الحيلة .. و الفطنة .. و الذكاء .. و المراوغة .

و الدبلوماسي الذي يجاهر بعاطفته هو دبلوماسي أبله .. بل إنه لا يكون دبلوماسيًّا على الإطلاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت