و من فقد سلامة الفطرة و بكارة القلب .. و لم يبق له إلا الجدل و تلافيف المنطق و علوم الكلام .. فقد فقدَ كل شيء و سوف يطول به المطاف .. و لن يصل أبدًا .
و مثل الذي يحتج على العذاب الدنيوي و يتبرم و يتسخط و يلعن الحياة و يقول إنها حياة لا تحتمل و إنه يرفضها و إن أحدًا لم يأخذ رأيه قبل أن يولد و إنه خلق قهرًا و حكم عليه بالعذاب جبرًا و إن هذا ظلم فادح .
مثل هذا الرفض الساخط مثل الفنان الذي يؤدي دورًا في مسرحية .. و يقتضي الدور أن يتلقى الضرب و الركل كل يوم أما المتفرجين .
لو أن هذا الممثل فقد الذاكرة و لم ير شريط حياته إلا أمام هذا الدور الذي يؤديه بين قوسين على خشبة المسرح كل يوم .. فإنه سوف يحتج .. رافضًا أن يتلقى العذاب .. و يقول إن أحدًا لم يأخذ رأيه و إنه خلق قهرًا و حكم عليه بالعذاب جبرًا و قضى عليه بالإهانة أمام الناس بدون مبرر معقول و بدون اختيار منه منذ البداية .
و سوف ينسى هذا الممثل أنه كان هناك اتفاق قبل بدء الرواية .. و كان هناك تكليف من المخرج ثم قبول للتكليف من جانب الممثل .. ثم عهد و ميثاق على تنفيذ المطلوب .. كل هذا تم في حرية قبل أن يبدأ العرض .. و ارتضى الممثل دوره اختيارًا .. بل إنه أحب دوره و سعى إليه .
و لكن الممثل قد نسي تمامًا هذه الحقبة الزمنية قبل الوقوف على خشبة المسرح .. و من هنا تحولت حياته بما فيها من تكاليف و آلام على علامة استفهام و لغز غير مفهوم .
و هذا شأن الإنسان الذي تصور أن كل حياته هي وجوده بالجسد في هذه اللحظات الدنيوية و أنه هالك و مصيره التراب . و أنه ليس له وجود غير هذا الوجود الثلاثي الأبعاد على خشبة الحياة الدنيا.