الصفحة 39 من 62

و لا يكون الانتقال من درجة إلى درجة إلا مقابل جهد و عمل و اختبار و ابتلاء .. و من كان في الدنيا في أحط الدرجات من عمى البصيرة فسيكون حاله في الآخرة في أحط الدرجات أيضًا .

و هذا عين العدل .. أن يوضع كل إنسان في مكانه و درجته و استحقاقه .. و هذا ما يحدث في الدنيا ظلمًا و هو ما سوف يحدث في الآخرة عدلًا .

و العذاب بهذا المعنى عدل .

و الثواب عدل .

و كلاهما من مقتضيات الضرورة .

أن يكون الحديد الصلب غاية في الصلابة فيصنع منه الموتور .

و يكون الكاوتشوك رخوًا فتصنع منه العجلات .

و يكون القش رخيصًا فتصنع منه رأس المكنسة .

و يكون القش رخيصًا فتصنع منه رأس المكنسة .

و أن يكون القطن الفاخر لصناعة الوسائد .. و القطن الرديء لتسليك البالوعات .

و هذه بداهات و أوليات تقول بها الفطرة و المنطق السوي و لا تحتاج إلى تدبيج مقالات في الفلسفة و لا إلى رص حيثيات و مسببات .

و لهذا كانت الأديان كلها مقولة فطرية .. لا تحتمل الجدل و لا تحتمل التكذيب .. و لهذا كانت حقيقة مطلقة تقبلها العقول السوية التي لم تفسدها لفلفات الفلسفة و السفسطة .. و التي احتفظت ببكارتها و نقاوتها و برئت من داء العناد و المكابرة .

و لهذا يقول الصوفي إن الله لا يحتاج إلى دليل بل إن الله هو الدليل الذي يستدل به على كل شيء .

هو الثابت الذي نعرف به المتغيرات .

و هو الجوهر الذي ندرك به اختلاف الظواهر .

و هو البرهان الذي ندرك به حكمة العالم الزائل .

أما العقل الذي يطلب برهانًا على وجود الله فهو عقل فقد التعقل .

فالنور يكشف لنا الأشياء و يدلنا عليها .

و لا يمكن أن تكون الأشياء هي دليلنا على النور و إلا نكون قد قلبنا الأوضاع .. كمن يسير في ضوء النهار ثم يقول .. أين دليلك على أن الدنيا نهار .. أثبت لي بالبرهان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت