وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ))
(الأنعام 38)
هي أمم من الأنفس يقول لنا القرآن إنها تحشر كما نحشر .. أما ما يجري عليها بعد ذلك و أين تكون و ما مصيرها .. فهو غيب .. و تطلع إلى محجوبات و فضول لن نجد له جوابًا شافيًا .
و العلم بكل شيء في داخل اللحظة المحدودة و في عمرنا الدنيوي هو طمع في مستحيل .
و لكن إذا كان نصيبنا من العلم و إذا كان ما غنمناه بالتأمل هو أن العدل حقيقة أزلية و أن الله وقرها و أودعها في الفطرة فقد علمناه الكثير و أدركنا كفايتنا .
و بالصورة التي أدركنا بها الله في مقالنا الأول على أنه العقل الكلي المحيط و أنه القادر المبدع الملهم المعتني بمخلوقاته , بهذه الصورة سوف نفهم كيف أودع الله هذه الفطرة الهادية المرشدة في مخلوقاته , فهذا مقتضى عنايته و عدله .. أن يخلق مخلوقاته و بخلق لها النور الذي تهتدي به . وسوف نصدق أيضًا أن الله أرسل الأنبياء وأوحى بالكتب ... فإن الله لا يكون ربًّا و لا إلهًا ملهمًا مدبرًا بغير ذلك .
و سوف يكون دليلنا على صدق الكتب السماوية هو ما تأتينا به من علم و غيب و حكمة و تشريع و حق مما لا يأتي لجهد فردي أن يهتدي إليه بالمحاولة الشخصية .
إن الله الخالق العادل الملهم الذي خلق مخلوقاته و ألهمها الطريق .. (و هو لباب الأديان كلها) .. هو مبدأ أولي يصل إليه العقل دون إجهاد . و توحي به الفطرة بداهة .
و إنما الافتعال كل الافتعال .. هو القول بغير ذلك .
و الإنكار يحتاج إلى الجهد كل الجهد و إلى الالتفاف و الدوران و اللجاجة و الجدل العقيم ثم نهايته إلى التهافت .. لأنه لا يقوم على أساس .. و لأنه يدخل في باب المكابرة و العناد أكثر مما يدخل في باب التأمل المحايد النزيه و الفطرة السوية .