وسلم- قُرابَةَ ألفِ سنةٍ، والجَميعُ يَعلَمُ أن الشرائِعَ السابِقِةِ لَم يَكُن فيها من التَّفصيلِ لأحكامِ العباداتِ والمعاملاتِ ما هُوَ مَعروفٌ في دينِنا هذا؛ لأنَّهُ الدِّينُ الخاتَمُ للشرائِع ِوالأديانِ، وَمَعَ ذلكَ فَقد لَبِثَ نوحٌ في قَومِهِ ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا يَصرِفُ وَقتَهَ وجُلَّ اهتمامِهِ للدعوَةِ إلى التوحيدِ، وَمَع ذلك أعرَضَ قومُهُ عن دَعوتِهِ كما بيَّن الله - عز وجل - ذلكَ في مُحكَمِ التَّنْزيلِ {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) } [نوح: 23] .
فَهذا يَدُلُّ دِلالةً قَاطِعَةً على أنَّ أهمَّ شيءٍِ يَنبغي على الدُّعاةِ إلى الإسلامِ الحقِّ الاهتمامَ بِهِ دائمًا هُوَ: الدعوةُ إلى التوحيدِ، وهو مَعنى قَولِهِ - تباركَ وتعالىَ-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] هكذا كانَت سُنَّة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَمَلًا وَتَعليمًاَ )) [1] .
رابعًا: وجوبُ إفرادِ الله بالعبادَةِ:
1 -تعريفُ العبادةِ: ذَكَرَ الشيخُ محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - تعريفًا عامَّاًَ للعبادَةِ فقالَ: (( هي التذلُّلُ لله محبَّةً وتعظيمًا بِفِعلِ أوامِرِهِ واجتنابِ نواهِيهِ، على الوجهِ الذي جاءَت بِهِ شرائِعُهُ ) ) [2] .
وأمَّا على التفصيلِ فَقَد عرَّفَها شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة -رحِمه الله- بقولِهِ:
(( العبادَةُ هي اسمٌ جامِعٌ لِكلِّ ما يُحِبُّهُ الله ويرضاهُ من الأقوالِ والأعمالِ الباطنةِ والظاهرةِ، فالصلاةُ والزَّكاةُ والصيامُ والحجُّ وَصِدقُ الحديثِ وأداءُ الأمانَةِ وبِرُّ الوالدَينِ وَصِلةُ الأرحامِ والوفاءُ بالعهودِ والأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ والجهاد للكفَّارَِ والمنافقين والإحسانِ إلى الجارِ واليَتيمِ والمسكينِ وابنِ السَّبيلِ والمملوكِ من الآدميينَ والبهائِمِ والدُّعاءِ والذِّكرِ والقِراءَةِ وأمثالِ ذلكَ مِن العِبادَةِ وكذلكَ حُبُّ الله ورسولِهِ
(1) التوحيد أولا 8 - 9.
(2) شرح ثلاثة الأصول 31.