الصفحة 84 من 183

ثُمَّ انَّه - رحمه الله - قد أنكَرَ على كَثيرٍ من المُنتسبينَ إلى حَقْلِ الدعوةِ جَهلَهُم - أنفُسَهُم - بِمَعنى هذهِ الكلمَةِ الطَّيِّبَةِ، فَكَيفَ يَسْتَطيعونَ إيصالَها إلى النَّاسِ وهُم لَم يَفهَمُوها بَعدُ، فَقَالَ - رحِمه الله:

(( الدعاةُ اليومَ - مَعَ الأسفِ الشَّديدِ - يَدخُلُ فيهِم كُلُّ مُسلمٍ وَلَو كانَ على فَقرٍ مُدقِعٍ مِن العِلمِ، فَصاروا يَعُدُّونَ أنفُسَهُم دُعاةً إلى الإسلامِ، وإذا تَذكَّرنا تِلكَ القاعِدةَ المعروفَةَ - لا أقولُ: عِندَ العُلماءِ فَقَط بَل عِندَ العُقلاءِ جَميعًا - تِلكَ القاعدةُ التي تَقولُ: فَاقِدُ الشيءِ لا يُعطِيهِ، فإنَّنا نَعلَمُ اليومَ بأنَّ هُناكَ طائفةً كَبيرةً جِدًا يُعَدُّون بالملايينِ من المسلمينَ تَنصرِفُ الأنظارُ إليهِم حينَ يُطلَقُ لفظةُ: الدُّعاةِ؛ وأعني بِهِم: جَماعَةَ الدَّعوَةِ، أو: جَماعَةَ التَّبليغِ، وَمَعَ ذلك فأكثَرُهُم كَما قالَ الله عز وجل: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] ) ) [1] .

ثُمَّ انَّه أنكَرَ على الدُّعاةِ إعراضَهُم عن الاهتمامِ بهذا الأصلِ الأصيلِ؛ وهُوَ أن يبدءوا أولًا بِما بَدَأَ به جَميعُ الأنبياءِ- عليهم السلامُ - مِن نوحٍ إلى نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - وهو الدَّعوةُ إلى التوحيدِ، فَقَالَ - رحمه الله:

(( وَمَعلومٌ مِن طَريقَةِ دَعوتِهِم أنَّهُم قد أعرَضُوا بالكُليَّة عن الاهتمامِ بالأصلِ الأوَّلِ - أو بالأمرِ الأهمِّ - من الأُمورِ التي ذَكرتُ آنفًا، وأَعني: العَقيدَةَ والعِبادَةَ والسُّلوكَ، وأعرَضوا عن الإصلاحِ الذي بَدأَ بِهِ الرَّسولُ -صلى الله عليه وسلم- بَلْ بدأَ بِهِ كُلُّ الأنبياءِ، وَقَد بَيَّنه الله تعالى بِقَولِهِ: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، فَهُم [2] لا يَعنُونَ بِهذا الأصلِ الأصيلِ والرُّكنِ الأوَّلِ مِن أركانِ الإسلامِ - كما هو مَعلومٌ لَدى المسلمينَ جميعًا - هذا الأصلُ الذي قامَ يَدعو إليهِ أوَّلُ رَسولٍ من الرُّسُلِ الكِرامِ؛ ألا وهُو نوحٌ -صلى الله عليه

(1) التوحيد أولا 7.

(2) أي: هؤلاء الدعاة المذكورون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت