الصفحة 80 من 183

(( أعظمُ الأصولِ التي يُقرِّرُها القرآنُ ويُبرهِنُ عليها: تَوحيدُ الألوهيَّةِ والعبادَةِ، وهذا الأصلُ العظيمُ أعظمُ الأصولِ على الإطلاقِ، وأكمَلها وأفضَلها، وأوجَبها والزَمها لِصالِحِ الإنسانيَّةِ، وهو الذي خَلَقَ الله الجنَّ والإنسَ لأجلِهِ، وَخَلَقَ المخلوقاتِ، وَشَرَعَ الشرائِعَ لِقيامِهِ، وَبوجُودِهِ يَكونُ الصلاحُ، وَبِفَقدِهِ يَكُونُ الشرُّ والفسادُ ) ) [1] .

وَقالَ رحمه الله في مَوضِعٍ آخرَ:

(( وَهوَ الذي خَلَقَ الله الخلقَ لأجلِهِ، وَشَرَعَ الجِهادَ لإقامتِهِ، وَجَعَلَ الثَّوابَ الدُّنيويَّ والأخرويَّ لِمَن قَامَ بِهِ وَحَقَّقَهُ، والعِقابَ لِمَن تَرَكَهُ، وبِهِ يَحصُلُ الفَرقُ بينَ أهلِ السعادةِ القائمينَ بِهِ، وأهلِ الشقاوةِ التاركينَ لَهُ، فَعلى العبدِ أن يَبذُلَ جُهدَهُ في مَعرفتِهِ، وتَحقيقِهِ، والتَّحقُّقِ بِهِ، وَيَعرِفَ حَدَّهُ وَتَفسيرَهُ، وَيَعرِفَ حُكمَهُ وَمَرتَبَتَهُ، وَيَعرِفَ آثارَهُ ومُقتضياتِهِ، وَشَواهِدَهُ وأدلتهُ، وَمَا يُقوِّيهِ وَيُنمِّيهِ، وَمَا يَنْقُضُهُ أو يُنْقِصُهُ، لأنهُ الأصلُ الأصيلُ، لا تَصِحُّ الأصولُ إلا بِهِ، فَكيفَ بالفروعِ ) ) [2] .

وَلذلكَ كانَ هذا النوعُ مِن التوحيدِ هُوَ أساسُ دعوةِ الرسُلِ والغايَةِ من إرسالِهِم، وبِهِ أُمِر جميعُ الأنبياءِ بِدعوةِ أقوامِهِم، فتوحيدُ الله وإخلاصُ العبادَةِ لَهُ هي أصلُ بِعثةِ جَميعِ الرسلِ، قَالَ الله عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] ، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء: 25] .

وَقَد ذَكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ حَالَ الأنبياءِ مَعَ أقوامِهِم في دَعوتِهِم إلى هَذا المَقامِ العَظيمِ، فقالَ عن نوحٍ عَليهِ السلام: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ

(1) القواعد الحسان في تفسير القرآن للسعدي 192.

(2) الحق الواضح المبين في توحيد الأنبياء والمرسلين للسعدي 68 - 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت