قالَ ابنُ القَيِّم [1] : (( قاعدةٌ: الإيمانُ لَهُ ظاهرٌ وباطنٌ، وظاهرهُ قولُ اللِّسانِ وَعَمَلُ الجوارحِ، وباطِنهُ تصديقُ القلبِ وانقيادُهُ ومحبَّتهُ، فلا يَنفَعُ ظاهرٌ لا باطِنَ لَهُ وإن حُقِنَ بهِ الدِّماءُ وعُصِمَ بِهِ المالُ والذُّريَّةُ، ولا يُجزىءُ باطنٌ لا ظاهِرَ لَهُ؛ إلا إذا تَعَذَّرَ بِعَجزٍ أو إكراهٍ وَخَوفِ هَلاكٍ، فَتَخَلُّفُ العملِ ظاهرًا مَعَ عَدَمِ المانعِ دَليلٌ على فَسادِ الباطنِ وخُلُوِّهِ من الإيمانِ، وَنَقصُهُ دليلُ نَقصِهِ وقوَّتُهُ دليلُ قوَّتِّهِ، فالإيمانُ قَلبُ الإسلامِ ولبُّهُ، واليقينُ قَلبُ الإيمانِ ولبُّهُ، وكلُّ عِلمٍ وعَمَلٍ لا يَزيدُ الإيمانَ واليقينَ قوَةً فَمَدخولٌ، وكلُّ إيمانٍ لا يَبعثُ على العَملِ فَمَدخولٌ ) ) [2] .
وأما قَولُ المرجئةِ فَقَد قالَ شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة: (( الوجهُ الثاني من غَلطِ المرجئةِ: ظنُّهم أنَّ ما في القَلبِ من الإيمانِ لَيسَ إلا التصديق فَقَط دونَ أعمالِ القُلوبِ، كما تَقدَّم عن جَهميَّة المرجئةِ، الثالث: ظنُّهم أنَّ الإيمانَ الذي في القَلبِ يَكونُ تامًّا بِدونِ شيءٍ من الأعمالِ، ولهذا يَجعَلونَ الأعمالَ ثَمَرةَ الإيمانِ وَمُقتضاهُ بِمَنزِلةِ السَّببِ مع المسبّبِ، ولا يَجعَلونَها لازِمةً لهُ، والتحقيقُ أنَّ إيمانَ القلبِ التَّامِّ يَستَلزِمُ العملَ الظاهرَ بِحَسَبِهِ لا مَحَالةَ، وَيَمتَنِعُ أن يَقومَ بالقلبِ إيمانٌ تامٌّ بِدونِ عَمَلٍ ظاهرٍ ) ) [3] .
المسألة الخامسة: أثر المعاصي في نقص الإيمان:
ويرى الألبانيُّ - رحمه الله - أنَّ الفاسِق من أهل الملَّةِ ضعيفُ الإيمانِ ويُخشى عليهِ الكفرَ، فقالَ - رحمه الله - بعد أن ردَّ حَديثًا ضَعيفًا: (( ولا أعتقدُ أنَّ أحدًا من العُلماءِ المُعتَبَرينَ يُكَفِّر من تَرَكَ صَومَ رمضانَ مَثَلًا غيرَ مُستَحِلٍّ لهُ [4] ، خِلافًا لما يُفيدُهُ ظاهرُ الحديثِ والله أعلم، وممّا لا شَكَّ فيهِ أنَّ التساهلَ في أداءِ رُكنٍ واحدٍ من هذهِ الأركانِ الأربعةِ العمليَّة مما يُعرِّضُ فاعلَ ذلكَ للوقوعِ في الكفرِ،
(1) محمد بن أبي بكر، الإمام العلم المحقق، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، صاحب المؤلفات البديعة (ت751هـ) ينظر: طبقات المفسرين 1/ 284.
(2) الفوائد لابن القيم 1/ 85.
(3) مجموع الفتاوى 7/ 204.
(4) أي: مستحلّا للترك.