الصفحة 53 من 183

تابِعٌ للباطنِ لازمٌ لهُ مَتى صَلحَ الباطنُ صَلحَ الظاهرُ وإذا فَسَدَ فَسَدَ، ولهذا قالَ مَن قالَ من الصَّحابةِ عن المُصلِّي العابِثِ: لو خَشَعَ قَلبُ هذا لخشَعَت جَوارِحُهُ، فلا بُدَّ في إيمانِ القلبِ مِن حُبِّ الله وَرَسولِهِ )) [1] .

وقالَ كذلكَ في موضعٍ آخرَ: (( لا يُتصوَّرُ في العادةِ أنَّ رَجُلًا يكُونُ مُؤمنًاَ بِقلبِهِ، مُقرًَّا بانَّ الله أوجبَ عليهِ الصلاةَ، مُلتزِمًا لِشريعةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- وما جَاءَ بِهِ، يأمُرُهُ وليُّ الأمرِ بالصَّلاةِ فَيَمتَنِعُ حَتى يُقتَلَ، وَيَكون مع ذلكَ مُؤمِنًا في الباطِنِ، ولا يَكُونُ إلا كافِرًا.

وَلَو قالَ: أنا مُقرٌّ بوجوبها غَيرَ أني لا افعلُها كانَ هذا القولُ مَعَ هذهِ الحالِ كَذِبًا مِنهُ، كما لو أخَذَ يُلقي المصحَفَ في الحشِّ وَيَقولُ: أشهدُ أنَّ ما فيهِ كلامُ الله، أو جَعَلَ يَقتلُ نبيًَّا مِن الأنبياءِ وَيَقولُ: أشهدُ أنَّهُ رَسولُ الله، وَنحو ذلك من الأفعالِ التي تُنافي إيمانَ القلبِ.

فإذا قالَ: أنا مؤمنٌ بِقلبي معَ هذهِ الحالِ، كان كاذبًا فيما أظهرَهُ من القولِ، فهذا الموضِعُ يَنبغي تَدَبُّرُهُ، فَمَن عَرَفَ ارتِباطَ الظاهرِ بالباطنِ زالت عَنه الشِّبهةُ في هذا البابِ )) [2] .

وَقال- رحمه الله: (( فَتبيَّن أنَّ الأعمالَ الظاهرةَ الصالحةَ لا تَكونُ ثَمَرةً للإيمانِ الباطنِ وَمَعلُولةً لهُ إلا إذا كانَ مُوجبًا لها وَمُقتَضيًا لها، وحينئذٍ فالموجِبُ لازِمٌ لموجِبِهِ والمعلولُ لازمٌ لعلَّتهِ، وإذا نَقَصَت الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ كان ذلكَ لِنقصِ ما في القَلبِ من الإيمانِ، فلا يُتصوَّرُ معَ كَمالِ الإيمانِ الواجبِ الذي في القلبِ أن تُعدَمَ الأعمالُ الظاهرةُ الواجِبةُ، بَل يَلزَمُ من وُجُودِ هذا كامِلًا وُجُودُ هذا كامِلًا، كما يَلزَمُ من نَقصِ هذا نَقصُ هذا، إذ تَقديرُ إيمانٍ تامٍّ في القلبِ بلا ظاهرٍ مِن قولٍ وَعَملٍ؛ كتقديرِ مُوجبٍ تامٍّ بلا مُوجبهِ، وعلَّةٍ تامَّةٍ بلا مَعلولِها، وهذا مُمتَنِعٌ ) ) [3] .

(1) مجموع الفتاوى 7/ 187.

(2) مجموع الفتاوى7/ 615.

(3) المصدر نفسه /581 - 582. وينظر المصدر نفسه: 7/ 672،616،506،472،364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت