وأعدَلُها: أنَّه يَجوزُ الاستثناءُ باعتبارٍ وَتركُهُ باعتبارٍ، فإذا كان مَقصودُهُ أني لا أعلَمُ أني قائِمٌ بِكلِّ ما أوجبَ الله عليَّ وأنَّه يقبلُ أعمالي لَيسَ مقصودهُ الشكُّ فيما في قَلبِهِ فهذا استثناؤهُ حَسَنٌ، وَقَصدُهُ أن لا يزكِّي نَفسهُ وأن لا يَقطَع بأنَّهُ عَملَ عَملًا كما أُمِرَ فقُبِلَ مِنهُ، والذنوبُ كَثيرةٌ والنِّفاقُ مَخُوفٌ على عامَّةِ النَّاسِ، قال ابنُ أبي مُلَيكَة [1] : أدركتُ ثلاثينَ مِن أصحابِ محمَّدٍ كلُّهم يخافُ النفاقَ على نَفسِهِ، لا يَقولُ واحدٌ مِنهم إنَّ إيمانهُ كإيمانِ جِبريلَ وميكائيلَ )) [2] .
قال ابن بَطَّة العُكبري [3] : (( فهذهِ سبيلُ المؤمنينَ، وَطَريقُ العُقلاءِ من العُلماءِ: لزومُ الإستثناءِ والخوفِ والرجاءِ، لا يَدرونَ كيفَ أحوالُهُم عِندَ اللهِ، ولا كَيفَ أعمالهم، أمَقبولةٌ هي أم مَردودَةٌ0000بِهذا مَضَت سُنَّةُ المسلمينَ، وَعَليهِ جَرَت عادتُهُم، وأَخَذَهُ خَلَفُهم عن سَلَفِهِم، فَلَيسَ يُخالِفُ الإستثناءَ في الإيمانِ ويأبى قَبولَهُ: إلا رجلٌ خَبيثٌ مُرجئٌ ضالٌّ، قَد استحوَذَ الشيطانُ عَلَى قَلبِهِ، نَعوذُ بالله مِنهُ ) ) [4] .
وَقَد بيَّن شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة أنَّ الذين لا يَقُولون بِجوازِ الاستثناءِ هُم المرجئةُ والجهمية [5] ، فَقالَ:
(( وأمَّا الاستثناءُ في الإيمانِ بِقولِ الرجلِ: أنا مُؤمنٌ إن شاءَ اللهُ، فالناسُ فيهِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: مِنهم مَن يُوجِبُهُ، وَمِنهم مَن يُحرِّمُهُ، ومِنهم من يجوِّزُ الأمرين باعتبارينِ، وهذا أصحُّ الأقوالِ، فالذين يحرِّمونهُ هم المرجئةُ والجهميةُ ) ) [6] .
(1) أبو محمد عبد الله بن عبيد الله، الإمام الحجة الحافظ، حدث عن عائشة وابن عمر وابن عباس وغيرهم (ت117هـ) ينظر: سير أعلام النبلاء 5/ 88.
(2) مجموع الفتاوى 13/ 40 - 41. وينظر ما بعدها من الصفحات.
(3) أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، الشيخ الإمام الفقيه المحدث، كان على مذهب أحمد بن حنبل، (ت387هـ) ينظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 10/ 371.
(4) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لابن بطة العكبري 2/ 872.
(5) هم أتباع جهم بن صفوان، فرقة ضلالة، قالوا بخلق القرآن وفناء الجنة والنار وأن الله لا يعلم ما يكون حتى يكون ونفوا الصفات، كفرهم عامة السلف، ينظر: التبصير في الدين وبيان الفرقة الناجية1/ 107.
(6) مجموع الفتاوى 7/ 429.