مَرَّةً دخل الْجَنَّةَ ولم تَمَسَّهُ النَّارُ) [1] حتى يتبيَّن جليًَّا مخالفتُه للمُرجئةِ؛ قالَ -رحمه الله -:
(( والذي تَطمَئِنُّ إليهِ النفسُ وَيَنشرِح لَهُ الصَّدرُ، وَبِه تَجتَمِعُ الأدلَّةُ ولا تَتَعارَضُ، أن تُحمَلَ على أحوالٍ ثَلاثةٍ:
الأولى: مَن قَامَ بِلوازِمِ الشهادتينِ؛ من التزامِ الفرائضِ والابتعادِ عن المحرَّماتِ، فالحديثُ حينئذٍ على ظاهِرِهِ، فَهوَ يَدخُلُ الجنَّةَ وتَحرُمُ عَليهِ النَّارُ مُطلقًا.
الثانية: أن يَمُوتَ عَليها، وَقَد قَامَ بالأركانِ الخمسةِ، ولكنَّهُ رُبَّما تَهاوَنَ بِبَعضِ الواجِباتِ، وارتكبَ بَعضَ المحرَّماتِ، فَهذا مِمَّن يَدخُلُ في مَشيئةِ الله ويُغفَرُ لَهُ ... 0
الثالثةُ: كالذي قَبلهُ؛ ولكنهُ لم يَقُم بحقِّها، ولم تحجِزهُ عن محارِمِ الله، كما في حديثِ أبي ذر [2] المتفَقِ عليهِ: (وإن زنى وإن سرق ... ) الحديثُ، ثم هوَ معَ ذلك لم يعمَل من الأعمالِ ما يستحِقُّ بِهِ مغفِرَةَ الله؛ فهذا إنَّما تحرُمُ عليهِ النَّارُ التي وَجبت على الكفَّارِ، فهو وإن دَخَلَها فلا يَخلُدُ مَعَهم فِيها، بَل يَخرُج مِنها بالشَّفاعةِ أو غَيرِها ثم يَدخل الجنَّةَ ولا بُدَّ، وهذا صَريحٌ في قولِهِ - صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله نفعته يومًا من دهرِهِ أصابَهُ قبلَ ذلكَ ما أصابهُ) [3] ، وهوَ حَديثٌ ... صحيحٌ )) [4] .
وبهذا نَعلمُ - يَقينًا - أنَّ قَولَهُ خلافُ قَولِ المرجئةِ، وكلامُهُ هذا يَدُلُّ على دُخُولِ الأعمالِ عِندَه في مُسمَّى الإيمانِ.
(1) مسند الإمام احمد 5/ 236.
(2) جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري الصحابي الجليل، من أوائل الناس إلى الإسلام (ت 32هـ) ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني 7/ 125.
(3) المعجم الأوسط للطبراني 6/ 274.
(4) السلسلة الصحيحة 3/ 299 - 300.