وأما قَولُ سَفَر الحوالي في كِتابِهِ (( ظاهرةُ الإرجاءِ ) )بأنَّ حَديثَ الشَّفاعةِ هذا يُحمَلُ على حَديثِ حُذيفةَ بنِ اليَمانِ [1] رضي الله عنه، أي أنَّ هؤلاءِ الذينَ يَخرُجونَ من النَّار ولم يَعمَلوا خَيرًا قطُّ، عِندهُم فقط: (لا اله إلا الله) ، أنَّ هؤلاء يَجهَلُونَ الأعمالَ بالكليَّة، فَهم لا يَعرِفونَ الصلاةَ ولا الصيامَ ولا غَيرَها، أجابَ الشيخ الألبانيُّ عن هذا الإيرادِ بقولِهِ: (( هذا كَلامٌ باطلٌ - جَزمًا - ولو لَمْ يَرغَبْهُ المؤلِّفُ؛ لأنَّ الحديثَ في الشَّفاعَةِ للَّذينَ يَستحِقُّونَ العذابَ: بِذنوبٍ ارتكبوها، أمَّا هؤلاءِ [2] : فإنَّهم إذا كانوا لا يَعلمونَ غَيرَ الشهادةِ؛ فَهُم لا يَستحقُّون العذابَ، فَتأمل ) ) [3] .
وَمِن جِهةٍ أخرى فانَّ كُلَّ مَن لا يُكفِّر تارِكَ الصَّلاةِ من العلماءِ يَلزَمُ مِن قولِهِ أنَّ الأعمالَ شَرطُ كَمالٍ وَلَيسَ شَرطَ صحةٍ، فَقَد قالَ عَبدُ الله بن شقيق العُقيلي [4] :
(( كان أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لا يَرَوْنَ شيئا من الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غير الصَّلَاةِ ) ) [5] ، فالذي لا يُكفِّرُ بِتركِ الصلاةِ فانَّه لا يُكفِّرُ بما هو دونها مِن باب أولى0
وَمِن جِهَةٍ أخرى فإنَّه - رحمه الله - لم يشذَّ بهذا القَولِ عن عُلماءِ السُّنَةِ؛ قَال الحافظُ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله -:
(( فالسلفُ قالوا: هو [6] اعتقادٌ بالقَلبِ، وَنُطقٌ باللسانِ، وَعَمَلٌ بالأركانِ، وأرادوا بِذلك أنَّ الأعمالَ شرطٌ في كَمالِهِ ) ) [7] .
وَقالَ ابنُ رجَبَ الحنبليّ [8] : (( وَمَعلومٌ أن الجنَّة إنَّما يُستَحقُّ دُخُولُها بالتصديقِ بالقَلبِ، مَعَ شَهادَةِ اللِّسانِ، وَبِهما يَخرُج من يَخرُج مِن أهلِ النَّارِ، فَيَدخُلَ الجنَّة ) ) [9] .
(1) الصحابي الجليل رضي الله عنه صاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ت36هـ) ينظر: حلية الأولياء 1/ 270.
(2) الَّذين في حديث حذيفة.
(3) الدرر المتلألئة لعلي الحلبي 173.
(4) أبو عبد الرحمن بصري ثقة سمع من عائشة وروى عن كبار الصحابة (ت108هـ) ينظر: تقريب التهذيب 1/ 307، التاريخ الكبير5/ 116.
(5) سنن الترمذي، باب ما جاء في ترك الصلاة 5/ 14.
(6) أي الإيمان.
(7) فتح الباري 1/ 46.
(8) زين الدين عبد الرحمن بن احمد بن رجب، الإمام الواعظ الحافظ، له عدة مصنفات، (ت795هـ) ينظر: إنباء الغمر1/ 11.
(9) فتح الباري لابن رجب 1/ 112.