وَكذا شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّة فَقَد بيَّن مَذهبَ المُرجئة بِقَولِهِ: (( والمرجئةُ الذينَ قالوا: الإيمانُ تَصديقُ القلبِ وَقَولُ اللِّسانِ، والأعمالُ لَيسَت مِنهُ ) ) [1] .
وأمَّا شِبهَةُ موافَقَتِهِ للمُرجئةِ - في هذهِ المسألةِ - التي أورَدَها عَليهِ المُخالفونَ، وهي قَولُه - رحمه الله: (( الأعمَالُ الصالحةُ كلُّها شَرطُ كَمالٍ عِندَ أهلِ السُّنةِ ) ) [2] ، فإنَّ قولَهُ هذا لا يُّحِلُّ لأَحَدٍ أن يَنسِبَهُ إلى الإرجاءِ بِسَبَبِهِ؛ فإِنَّ الشيخَ - رحمه الله - لم يأْتِ بِهذا القَولِ مِن عِندِ نَفسِهِ؛ فإنَّ عُمدتَِهِ في ذلك حَديثٌ صَحيحٌ أخرَجَهُ جَمعٌ من الأئمةِ الأعلامِ في كُتُبهِم، كالإمامِ أحمدَ وغيرِهِ، وهو حديثُ الشَّفاعَةِ الطَّويلُ، وَقَد جَاءَ فيهِ: ( ... فَيَقبِضُ قَبضَةً مِن النارِ -أو قَالَ: قَبضَتَينِ-ناسًا لم يعملوا خيرًا قطُّ .... فَيَقولُ أهلُ الجنةِ: هؤلاءِ عُتقاءُ الرحمنِ، أَدْخلَهُمُ الجنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَملوهُ، ولا خَيرٍ قدَّموهُ ... ) [3] .
فهُوَ - رحمه الله - لا يُكفِّرُ إلا مَن لم يُقِرَّ بالشَّهادتينِ، أمَّا التَّاركُ لِبقيَّةِ الأركانِ الأربعةِ فإنَّه لا يُكفِّره كُفرًا اعتقاديًَّا إذا أقرَّ بالوُجُوبِ.
ثُم أنَّ قَولهُ هذا لا يَتَّفِقُ مَعَ أقوالِ المرجئةِ لا مِن بَعيدٍ ولا مِن قَريبٍ، فإنَّ المُرجئةَ يَقولونَ: لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذَنبٌ لمن عَمِلَهُ، بَل هو مؤمنٌ كاملُ الإيمانِ، وهذا بِخِلافِ ما ذَهَبَ إليهِ الشيخُ الألبانيُّ فهوَ يَرى أنَّ الذي يَتهاونُ في تَركِ الأعمالِ - خاصَّة الصلاةُ - فيُخشى عَليهِ أن يَموتَ على الكُفرِ؛ فتأمَّل.
وأسوقُ هنا كَلامَهُ في التَّعليقِ على حَديثِ مُعاذٍ [4] عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَال: (من شَهِدَ أن لاَ إِلَهَ إلا الله مُخْلِصًا من قَلْبِهِ أو يَقِينًا من قَلْبِهِ لم يَدْخُلِ النَّارَ أو دخل الْجَنَّة، وقال
(1) مجموع الفتاوى 7/ 194.
(2) السلسلة الصحيحة 1/ 137.
(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 11/ 409 - 411، وأحمد 3/ 94 وغيرهم، وهو مخرج في السلسلة الصحيحة برقم 3054.
(4) معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجى الصحابي الجليل، توفي بالطاعون في الأردن عام 18هـ، ينظر: سير أعلام النبلاء 1/ 444.