الصفحة 39 من 183

وَلَيسَ الخلافُ بَين المذهبينِ اختلافًا صُوريًا كَما ذََهَبَ إليهِ الشَّارحُ [1] - رَحمهُ اللهُ تعالى - بِحُجَّةِ أنَّهم جَميعًا اتَّفقوا على أنَّ مُرتكِبَ الكَبيرةِ لا يَخرُجُ عَن الإيمانِ، وأنَّه في مشيئةِ الله إن شاءَ عَذَّبهُ وإن شاءَ عَفا عَنهُ، فإنَّ هذا الاتِّفاقَ وإن كَانَ صَحيحًا فإنَّ الحنفيةَ لو كانوا غَيرَ مُخالِفينَ للجماهيرِ مُخالفةً حَقيقيَّةً في إنكارهم أنَّ العَمَلَ من الإيمانِ؛ لاتَّفقوا مَعَهُم على أنَّ الإيمانَ يَزيدُ وَيَنقُصُ، وأنَّ زيادتهُ بالطاعةِ وَنَقصَهُ بالمعصيَةِ، مَعَ تَظافرِ أدِلَّةِ الكتابِ والسُّنةِ والآثارِ السلفيَّةِ [2] على ذلك 000ثُمَّ كيف يَصِحُّ أن يَكونَ الخلافُ المذكورُ صُوريًا وَهم يُجيزونَ لأفجَرِ واحدٍ منهم أن يَقولَ: إيماني كإيمانِ أبي بكرٍ الصّديق، بَل كإيمانِ الأنبياءِ والمرسلينَ وَجِبريلَ وميكائيلَ عَلَيهِم الصّلاةُ والسّلامُ، كَيفَ وهُم بِناءً على مَذهَبِهِم هذا لا يُجِيزونَ لأحَدِهِم - مَهما كَانَ فاسِقًا فاجِرًا - أن يَقُولَ: أنا مؤمنٌ إن شاءَ اللهُ تعالى، بل يَقولُ: أنا مؤمنٌ حقًا، والله عزّ وجلّ يقولُ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} ... [الأنفال: 2 - 4] ... {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] )) [3] .

أما قَولُ السَّلفِ فَهُوَ ظاهرٌ في زيادةِ الإيمانِ ونُقصانِهِ، وَقَد تَقَدَّم النَّقلُ عَنهُم في أكثَرَ مِن مَوضِعٍ.

وَقَد بيَّن الحافِظ ابن حَجر مَذهبَ المرجئةِ في الإيمانِ بقولِهِ: (( والمرجئة قالوا: هوَ اعتقادٌ ونطقٌ فقط ) ) [4] ؛ فأخرَجوا بِذلكَ العَمَلَ مِن الإيمانِ.

(1) يعني ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية.

(2) انظر كيف يؤكِّد - رحمه الله - على اتِّباع منهج السلف.

(3) العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الألباني62 - 63 هامش (2) .

(4) فتح الباري 1/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت