الصفحة 123 من 183

فَفَهِموا من هذا الحديثِ أنَّ تَوسُّلَ عمر رضي الله عنه إنما كانَ بِجاهِ العبَّاسِ رضي الله عنهُ وَمَكانتِهِ عِند الله عزَّ وجلَّ، وهذا فَهمٌ خاطئٌ وَتأويلٌ بَعيدٌ لا يَدُلُّ عَلَيهِ سِياقُ النَّصِّ لا مِن قَريبٍ ولا مِن بَعيدٍ، إذ لَم يِكُن مَعروفًا عِند الصحابةِ التوسُّلُ إلى الله بِذاتِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أو جَاهِهِ، وإنَّما كانوا يَتَوسَّلونَ إلى الله بِدُعائِهِ حالَ حَياتِهِ، كما تَقَدَّمَ بَعضُ هذا المعنى، وَعُمَرُ رضي الله عنه لَم يُرِد بِقَولِهِ: (إنا نَتَوسلُ إليك بِعَمَّ نَبيِّنا) أي ذاتِهِ وَجَاهِهِ، وإنما أرادَ دُعاءَهُ، وَلَو كَانَ التوسُّلُ بالذَّاتِ أو الجاهِ مَعروفًا عِندَهُم لما عَدَلَ عُمَرُ عن التوسُّلِ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إلى التوسُّلِ بالعبَّاسِ رضي الله عنه، بل وَلَقالَ لَهُ الصحابةُ إذ ذاكَ: كيفَ نَتَوسَّلُ بالعباسِ وَنَعدِلُ عن التوسُّلِ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي هو أفضلُ الخَلقِ، فَلما لَم يَقُل ذلك احدٌ مِنهُم، وَقَد عُلِمَ أنَّهم في حَياتِهِ تَوسَّلوا بِدُعائِهِ، وَبَعدَ مَمَاتِهِ تَوسَّلوا بدعاءِ غَيرِهِ عُلِمَ أن المشروعَ عِندَهُم التوسلُ بِدُعاءِ المتوَسِّلِ لا بِذاتِهِ.

* حديث عُثْمَانَ بن حُنَيْفٍ: (أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقَال ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي قال إن شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قال: فَادْعُهْ، قال: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بهذا الدُّعَاءِ: اللهم إني أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ إني تَوَجَّهْتُ بِكَ إلى رَبِّي في حَاجَتِي هذه لِتُقْضَى لِيَ اللهم فَشَفِّعْهُ فِيّ) [1] .

فَفَهِموا من الحديثِ أنَّه يَجوزُ التوسُّلُ بِجاهِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أو غَيرِهِ من الصالحينَ، وَلَيس في الحديثِ ما يَشهَدُ لِذَلكَ، فإنَّ الأعمى قَد طَلَبَ من النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أن يَدعوَ لَهُ بأن يَرُدَّ الله عَليهِ بَصَرَهُ، فَقالَ لَهُ: (إن شئتَ صَبَرتَ وإن شِئتَ دَعوتُ) ، فَقَالَ: فادعُه، وهذا تَوسُّلٌ بِدُعاءِ النبي -صلى الله عليه وسلم- لا بِذاتِهِ وَجَاهِهِ.

(1) سنن الترمذي، كتاب الدعوات 5/ 569.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت