الصفحة 115 من 183

قالَ ابنُ كَثيرٍ: (( وهذا الذي قالَهُ هؤلاءِ الأئمةُ لا خِلافَ بين المفسِّرينَ فيهِ ... والوسيلةُ هي التي يُتوصَّل بِها إلى تَحصيلِ المقصودِ ) ) [1] .

وأما الآيةُ الثانيةُ فَقَد بَيَّن الصحابيُّ الجَليلُ عَبد الله بن مَسعودٍ رضي الله عَنهُ مُناسَبَةَ نُزولِها التي تُوَضِّحُ مَعناها فَقَالَ:

(( نَزَلت في نَفَرٍ من العربِ كانوا يَعبُدونَ نَفََرًا من الجنِّ فأسلَمَ الجِنِّيُّونَ والإنسُ الذينَ كانوا يَعبُدونَهُم لا يَشعُرونَ ) ) [2] .

قال الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله: (( أي استمرَّ الإنسُ الذينَ كانوا يَعبُدونَ الجِنَّ على عِبادةِ الجنِّ، والجنُّ لا يَرضَونَ بذلكَ لِكَونِهِم أسلَموا وَهُم الَّذينَ صاروا يَبتَغونَ إلى ربِّهمُ الوسيلة ... وهذا هُوَ المُعتَمَدُ في تَفسيرِ الآيةِ ) ) [3] .

قال الشَّيخُ الألبانيُّ - رحمه الله:

(( وهي صَريحَةٌ في أنَّ المرادَ بالوسيلةِ ما يُتقرَّبُ بِهِ إلى اللهِ تعالى ولذلكَ قالَ:(يبتغون) أي يَطلُبونَ ما يَتَقَرَّبونَ بِهِ إلى الله تعالى من الأعمالِ الصالِحَةِ وهي كذلكَ تُشيرُ إلى هذِهِ الظاهِرَةِ الغريبَةِ المُخالِفةِ لِكُلِّ تَفكيرٍ سَليمٍ ظاهِرُهُ أن يَتَوجَّهَ بَعضُ الناسِ بِعبادَتِهِم وَدُعائِهِم إلى بَعضِ عِبادِ الله يَخافونَهُم وَيَرجُونَهم مع أنَّ هؤلاءِ العِبادِ المعبودينَ قَد أعلَنوا إسلامَهُم وأقرُّوا للهِ بِعبوديَّتِهِم وأَخَذوا يَتَسابَقُونَ في التقرُّبِ إليه سُبحانَهُ بالأعمالِ الصالِحَةِ التي يُحبُّها وَيَرضاها وَيَطمَعونَ في رَحمتِهِ وَيَخافونَ مِن عِقابِهِ فهو سُبحانَهُ يُسفِّهُ في هذهِ الآيةِ أحلامَ أولئكَ الجاهلينَ الذين عَبَدوا الجنَّ واستمرُّوا على عِبادتِهِم مع أنَّهم مَخلوقونَ عابِدونَ لهُ سبحانَهُ وضُعفاءُ مثلُهُم لا يَملِكونَ لأنفُسِهِم نَفعًا ولا ضَرًا وَيُنكرُ الله عَليهِم عَدَمَ تَوجُّهِهِم بالعبادةِ إليهِ وَحدَهُ تَباركَ وتعالى وهوَ الذي يملِكُ وَحدَهُ الضرَّ والنفعَ وبيدِهِ وَحدَهُ مقاديرُ كُلِّ شيءٍ وهو المهيمنُ على كُلِّ شيءٍ )) [4] .

(1) تفسير ابن كثير 2/ 53 - 54.

(2) صحيح مسلم، كتاب التفسير، باب قوله تعالى أولئك الذين يدعون ... 4/ 2321.

(3) فتح الباري 8/ 397.

(4) التوسل 14 - 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت