وَتُعدُّ هذهِ الأمورُ مِن أعظَمِ ذَرائِعِ الشِّركِ، فَعَن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: (نَهى رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عليه وَأَنْ يُبْنَى عليه) [1] ، وفي روايةٍ: (أو يُزادَ عليهِ أو أن يُكتَبَ عليهِ) [2] .
وقد أطالَ الشيخُ الألبانيُّ النَفَسَ في الكلامِ على هذهِ المخالفةِ التي تَقَعُ عِندَ القُبورِ، وَمِن ذلكَ قَولهُ:
(( ويَحرُمُ عِند القُبورِ ما يأتي: الذبحُ لوجهِ الله؛ رَفعُها زيادةً على التُّرابِ الخارِجِ مِنها، طَليُها بالكِلسِ وَنَحوِهِ، الكِتابَةُ عليها، البِناءُ عَليها، القُعودُ عَليها ) ) [3] .
وَساقَ بَعدَ ذلكَ جُملةً من الأحاديثِ في النهيِ عَن ذلكَ وكذا أقوالُ الأئمَّةِ في التحذيرِ من هذهِ المخالفةِ الشنيعةِ، وَنَقلَ كلِمَةً ذهبيَّةً للإمامِ الشوكانيِّ أرى من المناسِبِ نَقْلَها هُنا وَهيَ قولُ الشوكانيِّ - رحمه الله -: (( ومِن رَفعِ القبورِ الداخلِ تَحتَ الحديثِ دُخُولًا أوَّليًا القُبَبُ والمشاهِدُ المعمورةُ على القُبورِ، وأيضًا هو مِن اتِّخاذِ القُبورِ مَساجِدَ، وَقَد لَعَنَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فاعلَ ذلكَ كما سيأتي وَكَم قَد نَشأَ عَن تَشييدِ أبنيةِ القُبورِ وَتَحسينِها مِن مَفاسِدَ يَبكي لها الإسلامُ مِنها: اعتقادُ الجَهَلَةِ لها كاعتقادِ الكُفَّارِ للأصنامِ، وَعَظُمَ ذلك فَظنَّوا أنَّها قادِرَةٌ على جَلبِ النَّفعِ وَدَفع الضَّرَرِ، فَجَعلوها مَقصِدًا لِطَلَبِ قَضاءِ الحوائِجِ، وَمَلجَئًا لِنَجاحِ المطالِبِ، وسألوا مِنها ما يَسألُهُ العُبَّادُ مِن رَبِّهم، وَشَدُّوا إليها الرِّحالَ وَتَمسَّحوا واستغاثُوا، وبالجملَةِ أنَّهم لَم يَدَعُوا شيئًا مما كانتِ الجاهليةُ تَفعلُهُ بالأصنامِ إلا فَعَلوهُ! فإنا للهِ وإنا إليهِ راجِعونَ، وَمَعَ هذا المُنكرِ الشَّنيعِ والكُفرِ الفَظيعِ لا نَجِدُ مَن يَغضَبُ لله، وَيَغارُ حَميَّةً للدينِ الحنيفِ، لا عالمًا ولا مُتَعلِّمًا، ولا أميرًا ولا وَزيرًا ولا مَلِكًا، وَقَد تَوارَدَ إلينا مِن الأخبارِ ما لا يُشَكُّ مَعَهُ أنَّ كَثيرًا مِن هؤلاءِ القبوريِّينَ أو أكثرُهُم إذا توجَّهَتْ عليهِ يَمينٌ مِن جِهةِ خَصمِهِ حَلَفَ بالله فاجرًا، فإذا قِيلَ لَهُ بعدَ ذلكَ: احلِف بشيخِك وَمُعتَقَدِكَ الوليِّ الفلانيِّ! تَلَعثَمَ وتلكَّأَ وأبى
(1) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه 2/ 696.
(2) سنن أبي داود، أول كتاب الجنائز، باب في البناء على القبر 3/ 216.
(3) أحكام الجنائز 260.