إسرائيلَ لما قالوا لموسى عَليهِ السلامُ: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] ، فهؤلاءِ طَلَبوا شجرةً يَتَبرَّكونَ بِها كما كَانَ يفعلُ المشركونَ، وَقومُ موسى طلبوا إلهًا كما لَهُم آلهةٌ، فَيَكونُ الطلبانِ -كما هو مَعلومٌ- مُنافيانِ للتوحيدِ، لأنَّ التبرُّكَ بالشَّجَرِ نَوعٌ من أنواعِ الشِّركِ بالله، واتخاذُ الهٍ مَعَ الله شِركٌ واضِحٌ.
قالَ الشيخُ الألبانيُّ -رحِمه الله- في مَعرِضِ كَلامِهِ على حُرمةِ التبرُّكِ بالقبورِ والأشجارِ وَنَحوِها: (( ... ألا ترى أن شَجَرةَ الرِّضوانِ التي بُويِعَ تَحتَها النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ من أصحابِهِ الكرامِ، قَد عُميَت على الصحابَةِ أنفسِهِم ثمَّ على الَّذين جاؤوا مِن بعدِهِم، حتى صارَ مَكانَها نَسْيًا مَنسيًَّا ... وما ذلكَ إلا سدًا للذريعَةِ، وَقَطعًا لِدابِرِ الفِتنَةِ، ولا سيَّما للذين يأتونَ مِن بَعدِهِم مِمَّن لا مَعرِفَةَ لَدَيهِم بالكتابِ والسُّنَّةِ وأُصولِ الشريعَةِ وَقَواعِدِها المُحكمَةِ، وَقَد قيلَ أنَّ عُمَرَ رضي الله عنهُ هو الذي قَطَعَها ) ) [1] .
4 -النهيُ عن أعمالٍ تتعلقُ بالقبورِ:
لَقَد كانَ الأمرُ النبويُّ الأوَّلُ هو النَّهيُ عن زيارةِ القُبُورِ؛ وذلكَ لانَّ الناسَ كانوا حديثي عَهدٍ بِجاهليةٍ وَكُفرٍ، وما ذلكَ إلا حِمايةً من النبي - صلى الله عليه وسلم - لِجَنابِ التوحيدِ، فلمَّا تَرسَّختِ العَقيدةُ في قُلُوبِ النَّاسِ وَثَبَتَ الإيمانُ فيها وأشرقت شَمسُ التوحيدِ وَبَدَّدت أنوارُهُ ظُلُمات الشِّركِ والوثنيَّةِ؛ جاءت الإباحةُ بِزيارتِها مُحدِّدَةً أهدافَها وَمَقاصِدَها.
فَقَد قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُبيحًا وَمُعلِّلًا: (نَهيتُكُم عن زيارةِ القبورِ فَزوروها) [2] ، وفي روايةٍ: (إني نَهيتُكم عن زيارةِ القبورِ فَزوروها فإنَّ فيها عِبرَةً) [3] ، وفي روايةٍ: (فزوروها فإنَّها تُذكِّرُ الآخِرةَ) [4] ، وفي روايةٍ: (كُنتُ نهيتكم عَن زيارةِ القبورِ ألا فَزوروها فإنَّهُ يَرِقُّ القَلْبُ وَتَدمعُ العينُ وَتُذكَرُ الآخرة ولا تَقولوا هَجرا) [5] ، وفي روايةٍ: (كان رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
(1) حياة الألباني 1/ 422.
(2) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ... 2/ 672.
(3) مسند الإمام احمد 3/ 38.
(4) سنن الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور 3/ 370.
(5) المستدرك على الصحيحين 1/ 532.