ومن الأدلَّةِ على ذلكَ ما ذكرهُ عُروةُ في قصَّةِ الحديبيةِ أنَّهُ قالَ عن الصحابةِ رضي الله عنهم: (فَوَاللَّهِ ما تَنَخَّمَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نُخَامَةً إلا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ منهم فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وإذا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وإذا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ) [1] .
ثم أنَّ الشيخَ الألبانيَّ قد بيَّنَ أن ذلكَ أمرٌ بَعيدٌ في الوقتِ الحاضِرِ؛ وذلك لبُعدِ العَهدِ بِتلكَ الآثارِ الشريفةِ، فَقَالَ:
(( هذا ولا بُدَّ من الإشارةِ إلى أنَّنا نؤمنُ بِجَوازِ التَّبَرُّكِ بآثارِه ِ - صلى الله عليه وسلم - ولا نُنكرُهُ خِلافًا لما يُوهِمُهُ صَنيعُ خُصومِنا ولكن لِهذا التبُّركِ شُروطًا؛ مِنها الإيمانُ الشرعيُّ المقبولُ عِند الله فَمَن لَم يَكُن مسلمًا صادقَ الإسلامِ فَلَن يُحقِّقَ الله لهُ أيَّ خَيرٍ بِتبَرُّكِهِ هذا كما يُشتَرطُ للراغِبِ في التبرُّكِ أن يَكونَ حاصِلًا على أثرٍ من آثارهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيَستعملُهُ ونحنُ نَعلَمُ أن آثارَهُ مِن ثيابٍ أو شعرٍ أو فَضَلاتٍ قَد فُقِدَت وليسَ بإمكانِ أحدٍ إثباتُ وُجودِ شيءٍ منها على وَجهِ القَطعِ واليقينِ وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ فإن التبرُّكَ بهذِهِ الآثارِ يُصبِحُ أمرًا غيرَ ذي مَوضِعٍ في زمانِنا هذا وَيَكونُ أمرًا نَظريًَّا مَحضًا ) ) [2] .
الثاني: أن يَكونَ التبرُّكُ بأمرٍ غَيرِ مَشروعٍ، كالتبرُّكِ بالقبورِ والقِبابِ والأحجارِ وَنَحوِها، فَهذا كُلُّهُ مِن الإشراكِ بالله.
فَعَن أبي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خَرَجَ إلى خيبر مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لها ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عليها أَسْلِحَتَهُمْ فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لنا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كما لهم ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: سُبْحَانَ اللَّهِ هذا كما قال قَوْمُ مُوسَى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] ، وَالَّذِي نَفْسِي بيده لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ من كان قَبْلَكُمْ) [3] .
ففي هذا الحديثِ دِلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الذي يُفعلُ عِند الأشجارِ والقبورِ والأضرحِةِ والمقاماتِ وَنَحوِها من التبرُّكِ بها والعُكُوفِ عَلَيها والذبحِ لَها والطَّوافِ عِندَها أنَّ هذا من الشِّركَ بالله عزَّ وجلَّ، وَلِذلك أخبَرَهُم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ طَلبَهُم هذا كَطَلَبِ بني
(1) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد ... 2/ 976.
(2) التوسل 144.
(3) سنن الترمذي، كتاب الفتن، بَاب ما جاء لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ من كان قَبْلَكُمْ 4/ 474.