الصفحة 100 من 183

الظاهرِ، فَما بالكَ بالجنِّ الذينَ قالَ الله تعالى فِيهِم: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] )) [1] .

ولا يَفوتُني في هذا المُقامِ أن أذكر نَوعًا من أنواعِ الرُّقى يَكادُ يَكونُ الآنَ أكثَرَ أنواعِ الرُّقى انتشارًا، وهي الرُّقية التي تُسمَّى اليومَ بـ (رقيةِ المسِّ) ، وهي الرُّقيةُ التي تُقرأُ على مَن دَخَلَ الشيطانُ في بَدَنِهِ، وَلَستُ هنا في صَدَدِ بيانِ جَوازِ دُخولِ الجانِّ بَدَنَ الإنسانِ، فإنَّ ذلك ثابتٌ بالكتابِ والسنةِ وأقوالِ العلماءِ، ولكنَّ الناسَ تَوسَّعوا اليومَ في رُقيةِ من ابتُليَ بذلكَ، حتى أنَّهم أدخلوا فيها أمورًا مَمنُوعةً كالضَّربِ الشديدِ بالعصِيِّ، واستحضارِ الجنِّ والتَّكلُّمِ مَعَهُ، وَغَيرِ ذلكَ.

وقد كانَ للشيخِ الألبانيِّ جُهودٌ طيبةٌ في بيانِ ذلكَ، فَقد أورَدَ -رحمه الله- حَديثَ عثمان بن أبي العاص الثقفيِّ رضي الله عنهُ حينَ قالَ: (شَكَوْتُ إلى رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نِسْيَانَ الْقُرْآَنِ، فَضَرَبَ صَدْرِي بيده فقال:(يا شَيْطَانُ اخْرُجْ من صَدْرِ عُثْمَانَ) قال عُثْمَانُ: فما نَسِيتُ منه شيئا بَعْدُ أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ) [2] ، فقد ردَّ الشيخُ الألبانيُّ -بَعد إيرادِ الحديثِ وتصحيحِهِ وإثباتِ تلبُّسِ الجنِّ بالإنسانِ- على من زَعَمَ خِلافَ ذلكَ بردٍّ مُفحِمٍ مدعَّمٍ بالأدلَّةِ، قلَّ أن يُوجَدَ في بابِهِ مِثلُهُ، ثم بيَّنَ توسُّع الناسِ في هذهِ الرُّقيَةِ بأنواعٍ من المخالفاتِ الشرعيَّةِ فقالَ:

(( ولكنني من جانبٍ آخرَ أُنكِرُ اشدَّ الإنكارِ على الذين يستغلُّونَ هذِهِ العقيدةَ، ويتَّخِذونَ في ذلكَ من الوسائلِ التي تَزيدُ على مُجرَّدِ تلاوةِ القرآنِ مما لم يُنْزِلِ الله بهِ سُلطانًا، كالضَّربِ الشديدِ الذي يَتَرتَّبُ عليهِ أحيانًا قَتلُ المُصابِ ... لقد كانَ الذين يَتَوَلَّونَ القراءةَ على المصروعينَ أفرادًا قَليلينَ صالحينَ فيما مَضى، فَصاروا اليومَ بالمئاتِ، وفيهِم بَعضُ النِّسوةِ المتبرِّجاتِ، فَخَرجَ الأمرُ عن كَونِهِ وَسيلةً شَرعيَّةً لا يَقومُ بِها إلا الأطبَّاءُ عادةً، إلى أمورٍ ووسائِلَ أخرى لا يَعرِفُها الطبُّ ولا الشَّرعُ مَعًا، فهي -عندي- نَوعٌ مِن الدَّجلِ والوساوِسِ يوحي بِها الشيطانُ إلى عَدوِّهِ الإنسان: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا

(1) السلسلة الصحيحة 6/ 614 - 615.

(2) المعجم الكبير للطبراني 9/ 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت