الثاني: أنه من المحال أن يُنزل الله تعالى على عباده كتابًا يعرفهم به بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه ، ويصفه بأنه عليٌّ حكيم كريم عظيم مجيد مبين بلسان عربي ، ليعقل ويفهم ، ثم تكون كلماته في أعظم المطالب غير معلومة المعنى بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يعلمها الناس إلا أماني ولا يخرجون بعلمها عن صفة الأمية ، كما قال تعالى: ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) .
فإن قلت: ما الجواب عن قوله تعالى: ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) ؟
قلنا الجواب: أن للسلف في الوقف في هذه الآية قولين:
أولًا: الوقف عند قوله تعالى: ( إلا الله ) وهو قول جمهور السلف والخلف وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله: ( وما يعلم تأويله إلا الله ) الحقيقة التي يؤول الكلام إليها ، لا التفسير الذي هو بيان المعنى ، فتأويل آيات الصفات - على هذا - هو حقيقة تلك الصفات وكنْهها ، وهذا من الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل ، ولم يرد بها السمع فلا يعلمها إلا الله .
ثانيًا: الوصل ، فلا يقفون على قوله: ( إلا الله ) وهو قول جماعة من السلف والخلف ، وبناء عليه يكون المراد بالتأويل في قوله ( وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم ) التفسير الذي هو بيان المعنى ، وهذا معلوم للراسخين في العلم ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله ) وقال مجاهد: ( عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آيات وأسأله عن تفسيرها ؟