ورد هذا الكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في التدمرية ، حيث قال رحمه الله:"ما أخبرنا الله به عن نفسه فهو معلوم من جهة ومجهول من جهة ، معلوم لنا من جهة المعنى ومجهول لنا من جهة الكيفية ."
أما كونه معلوم لنا من جهة المعنى فثابت بدلالة السمع والعقل .
فمن أدلة السمع قوله تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) .
وقوله تعالى: ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) .
فحث الله على تدبر القرآن كله ولم يستثن شيئًا منه ، ووبخ من لم يتدبره وبين أن الحكمة من إنزاله: أن يتدبره الذين أنزل إليهم ويتعظ به أصحاب العقول ، ولولا أن له معنى يُعلم بالتدبر لكان الحث على تدبره من لغو القول ، ولكان الاشتغال بتدبره من إضاعة الوقت ولفاتت الحكمة من إنزاله ولما حسن التوبيخ على تركه .
والحث على تدبر القرآن شامل لتدبر جميع آياته الخبرية العلمية والحكمية العملية ، فكما أننا مأمورون بتدبر آيات الأحكام لفهم معناها والعمل بمقتضاها - إذ لا يمكن العمل بها بدون فهم معناها- فكذلك نحن مأمورون بتدبر آيات الأخبار لفهم معناها واعتقاد مقتضاها والثناء على الله تعالى بها - إذ لا يمكن اعتقاد مالا نفهمه أو الثناء على الله تعالى به .
وأما دلالة العقل على فهم معاني ما أخبر الله تعالى به عن نفسه ، فمن وجهين:
الأول: أن ما أخبر الله تعالى به عن نفسه أعلى مراتب الإخبار ، فمن المحال أن يكون ما أخبر الله تعالى عن نفسه مجهول المعنى ، وما أخبر به عن فرعون وهامان وقارون وعن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم معلوم المعنى ، مع أن ضرورة الخلق لفهم معنى ما أخبر الله به عن نفسه أعظم وأشد .