الثانية عشرة: ص 24):"ومن ذلك: النهي في كثيرٍ من الآيات عن موالاة الكافرين وعن مودتهم والاتصال بهم، وفي بعضها: الأمر بالإحسان إلى من له حق على الإنسان منهم ومصاحبته بالمعروف كالوالدين ونحوهم، فهذه الآيات العامات من الطرفين قد وضحها الله غاية التوضيح ... فالنهي واقع على التولي والمحبة لأجل الدين، والأمر بالإحسان والبر واقع على الإحسان لأجل القرابة أو لأجل الإنسانية على وجه لا يخل بدين الإنسان"أ. هـ. ولذلك جاء الترخيص بذلك من وجهين:
(1) أمر بمصاحبة ذوي القربى منهم بالمعروف وصلة رحمهم والهدية لهم مما يدل على أن البراءة منهم تجتمع مع الإحسان والبر والصلة؛ قال الله تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15] ، وروى الشيخان عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهم - قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ"، ذكره البخاري في باب: {الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} : قال القرطبي (الجامع لأحكام القرآن:14/ 65) :"قوله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} ".. الآية دليل على صلة الأبوين الكافرين بما أمكن من المال إن كانا فقيرين، وإلانة القول والدعاء إلى الإسلام برفق"أ. هـ. وقال القاضي عياض في شرح الحديث (إكمال المعلم:3/ 523) :"فيه جواز صلة المشرك ذي القرابة والحرمة والذمام"أ. هـ.
(2) وقال عن عموم الكفار {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة:8] ، روى الشيخان عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ - رضي الله عنه - بحُلَّةٍ سِيَرَاءَ:"فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ". ذكره البخاري كذلك في باب المذكور آنفًا باب: {الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ} ، ولذا عقد ابن القيم (أحكام أهل الذمة:1/ 301) فصلًا في حكم أوقاف أهل الذمة ووقف المسلم عليهم، مبينًا أن الصدقة جائزة على مساكين أهل الذمة والوقف، فذكر الآية ثم قال:"فإن الله سبحانه لما نهى في أول"